رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

23 يوليو.. ثورة أعادت رسم خريطة التعليم في مصر

طه حسين
طه حسين

لم تكن ثورة 23 يوليو 1952 مجرد تحول سياسي في تاريخ مصر، بل مثلت نقطة فارقة في إعادة صياغة مفهوم العدالة الاجتماعية، ومن بين أبرز الملفات التي ارتبطت بمشروعها التاريخي ملف التعليم، الذي انتقل تدريجيًا من كونه امتيازًا محدودًا متاحًا لفئات اجتماعية بعينها إلى حق عام تسعى الدولة إلى إتاحته لجميع المصريين.


ومع احتفال مصر بذكرى ثورة 23 يوليو، تبرز قضية مجانية التعليم باعتبارها واحدة من أهم التحولات الاجتماعية التي ارتبطت بمبادئ الثورة، إلى جانب توسيع قاعدة التعليم، وإنشاء المدارس والجامعات، ودعم تعليم الكبار ومكافحة الأمية، بما أسهم في تغيير بنية المجتمع المصري وفتح أبواب التقدم أمام قطاعات واسعة من أبناء الشعب.


العلم.. طريق الإنسان لمواجهة الجهل والخرافة


ينطلق الاهتمام بالتعليم من حقيقة أن العلم يمثل أحد أهم أدوات بناء الإنسان والمجتمع، إذ يحمي الإنسان من الجهل والوهم والخرافات، ويفتح أمامه أبواب المعرفة والوعي والقدرة على المشاركة في صناعة مستقبله.

ومن هذا المنطلق، ارتبط العلم بمبدأ إتاحته وعدم قصره على فئة دون أخرى، باعتباره حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان ووسيلة رئيسية لتحقيق نهضة المجتمع وتقدمه.


التعليم قبل الثورة.. واقع اتسم بالاضطراب والتفاوت


قبل ثورة 23 يوليو، كان التعليم المصري يعاني من مشكلات متعددة، من بينها محدودية فرص الالتحاق بالتعليم، والتفاوت بين الطبقات، وضعف انتشار التعليم في العديد من المناطق، إلى جانب تعدد النظم والمناهج وغياب وحدة الرؤية التعليمية.


وقد تناول الدكتور طه حسين، في كتابه الشهير «مستقبل الثقافة في مصر»، واقع التعليم المصري بالنقد والتحليل، مشيرًا إلى أن الغالبية العظمى من المصريين كانت تعاني من الأمية والجهل، بينما كانت الأقلية المتعلمة تتلقى تعليمًا وفق نظم ومناهج متباينة.


وأكد طه حسين أن مواجهة الجهل لا يمكن أن تتم إلا عبر إتاحة التعليم أمام جميع المصريين، باعتباره شرطًا أساسيًا لبناء مجتمع حديث قادر على المشاركة في الحياة العامة وتحقيق أهداف الديمقراطية والتنمية.


طه حسين.. أحد أبرز المدافعين عن مجانية التعليم


ارتبط اسم الدكتور طه حسين بشكل وثيق بمشروع تطوير التعليم المصري والدفاع عن حق الفئات المختلفة في الحصول عليه.


وفي عام 1950، عندما تولى وزارة المعارف، تمسك طه حسين بتوسيع نطاق مجانية التعليم، حيث اشترط استكمال مجانية التعليم لتشمل المرحلة الثانوية، وهو ما عكس إيمانه بأن التعليم لا ينبغي أن يتوقف عند حدود الطبقة الاجتماعية أو القدرة الاقتصادية للأسرة.


وقد شكلت هذه الرؤية أحد الأسس الفكرية التي ساعدت لاحقًا على التوسع في تطبيق مجانية التعليم، لتصبح الدولة أكثر التزامًا بإتاحة فرص التعلم أمام أبناء المصريين على اختلاف طبقاتهم ومناطقهم.


ثورة يوليو.. المساواة وتكافؤ الفرص


جاءت ثورة 23 يوليو بمشروع اجتماعي واسع استهدف تقليص الفوارق بين الطبقات وتحقيق قدر أكبر من العدالة والمساواة.


وكان التعليم أحد المجالات الرئيسية التي انعكست عليها هذه الرؤية، إذ لم يعد الهدف مجرد زيادة أعداد المتعلمين، بل إتاحة الفرصة أمام أبناء الفئات الأقل دخلًا للوصول إلى التعليم، بما يتيح لهم فرصًا أكبر في العمل والترقي الاجتماعي.


وقد تجسد هذا التوجه في توفير الحماية الدستورية لحق التعليم، حيث نص دستور عام 1956، في مادته التاسعة والأربعين، على أن التعليم حق للمصريين جميعًا، تكفله الدولة من خلال إنشاء المدارس والمؤسسات الثقافية والتربوية والتوسع فيها تدريجيًا.


ومثل هذا النص تحولًا مهمًا في النظرة إلى التعليم، إذ أصبح حقًا دستوريًا ومسؤولية تقع على عاتق الدولة، وليس مجرد خدمة محدودة تقدمها وفقًا للموارد أو القدرة الاقتصادية للأفراد.


التوسع في إنشاء المدارس والمعاهد


لم تتوقف آثار هذا التوجه عند النصوص الدستورية، بل امتدت إلى سياسات عملية استهدفت توسيع قاعدة التعليم في المدن والقرى.


وشهدت تلك المرحلة توسعًا في إنشاء المدارس بمختلف مراحلها، إلى جانب إنشاء المعاهد الفنية والتجارية والصناعية، بهدف توفير كوادر مؤهلة تلبي احتياجات سوق العمل وتدعم خطط التنمية.


كما اهتمت الدولة بتوسيع نطاق التعليم خارج المراكز الحضرية، بما ساعد على إتاحة فرص التعليم أمام أبناء الريف والمناطق المختلفة، وتقليل الفوارق بين المدن والقرى في الحصول على الخدمات التعليمية.


الجامعات الإقليمية.. نشر المعرفة خارج العاصمة


كان التوسع في إنشاء الجامعات خارج القاهرة أحد أبرز ملامح السياسة التعليمية التي ارتبطت بمرحلة ما بعد الثورة.


فقد ساهم إنشاء جامعات في الأقاليم، من بينها جامعات الإسكندرية وأسيوط والمنصورة وغيرها، في نقل التعليم الجامعي إلى مناطق مختلفة من الجمهورية، وتوفير فرص التعليم العالي أمام الطلاب الذين كان الانتقال إلى القاهرة يمثل بالنسبة إليهم عائقًا اقتصاديًا واجتماعيًا.


كما ساهم انتشار الجامعات في دعم التنمية المحلية، وتوفير كوادر متخصصة في المحافظات، وربط التعليم باحتياجات المجتمع وسوق العمل.


محو الأمية وتعليم الكبار


امتد الاهتمام بالتعليم إلى الفئات التي لم تتح لها فرصة التعلم في سن الدراسة، من خلال إطلاق حملات قومية لمحو الأمية وإنشاء مراكز وهيئات متخصصة في تعليم الكبار.


وكان الهدف من هذه الجهود مواجهة واحدة من أكبر التحديات التي واجهت المجتمع المصري، وهي ارتفاع معدلات الأمية، باعتبارها عائقًا أمام التنمية والوعي والمشاركة المجتمعية.


وبذلك أصبح التعليم مشروعًا مجتمعيًا واسعًا لا يقتصر على الأطفال والشباب، بل يمتد إلى الكبار وكل من حُرم من فرصة التعلم.


التعليم كأداة لتحقيق العدالة الاجتماعية
يمكن النظر إلى مجانية التعليم باعتبارها واحدة من أهم أدوات الحراك الاجتماعي التي شهدها المجتمع المصري خلال العقود التالية لثورة يوليو.


فقد أتاحت هذه السياسة لأبناء الأسر محدودة الدخل فرصًا لم تكن متاحة بالقدر نفسه من قبل، وسمحت لعدد كبير من المصريين بالوصول إلى التعليم الجامعي والعمل في مختلف المجالات المهنية والعلمية والإدارية.


وبمرور الوقت، أصبح التعليم أحد أهم المسارات التي مكنت أبناء الطبقات المختلفة من تحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، وساهم في تشكيل طبقة واسعة من المتعلمين والمتخصصين.


من الحق الدستوري إلى مشروع بناء الإنسان


تؤكد تجربة مصر مع مجانية التعليم أن قضية التعليم لم تكن مجرد قرار إداري أو إجراء مالي، وإنما كانت جزءًا من مشروع أوسع لإعادة بناء المجتمع.
فالتوسع في المدارس والجامعات، ودعم التعليم الفني، ومكافحة الأمية، وتعليم الكبار، كلها سياسات ارتبطت بفكرة أساسية مفادها أن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان، وأن إتاحة المعرفة تمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق التنمية والعدالة.
 

وتظل ثورة 23 يوليو محطة رئيسية في تاريخ التعليم المصري، بعدما أسهمت في نقل التعليم من نطاق محدود إلى مشروع قومي واسع، ومن امتياز اجتماعي إلى حق تسعى الدولة إلى ضمانه لجميع المواطنين.


وبينما ارتبطت مجانية التعليم بفكرة تكافؤ الفرص وتذويب الفوارق بين الطبقات، شكل التوسع في إنشاء المدارس والجامعات والمعاهد، إلى جانب حملات محو الأمية وتعليم الكبار، ملامح تحول اجتماعي عميق أعاد رسم خريطة التعليم في مصر.


وهكذا لم تكن مجانية التعليم مجرد سياسة تعليمية، بل كانت جزءًا من تصور أشمل للعدالة الاجتماعية، يقوم على أن العلم حق للجميع، وأن نهضة الوطن لا يمكن أن تكتمل دون إتاحة المعرفة لأبنائه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء