رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

67 عامًا على تأسيسها.. «فرقة رضا» أيقونة صنعت مجد الفنون الشعبية بمصر

فرقة رضا للفنون الشعبية
فرقة رضا للفنون الشعبية

على مدار 67 عامًا، ظلت فرقة رضا للفنون الشعبية واحدة من أبرز علامات الفن المصري، ونجحت في ترسيخ مكانتها كأحد أهم روافد القوة الناعمة، بعدما أعادت تقديم التراث الشعبي المصري في لوحات استعراضية جمعت بين الأصالة والإبداع، وحملت الهوية المصرية إلى مختلف أنحاء العالم.

كيف جاء تأسيس فرقة رضا 

لم تكن فرقة رضا مجرد فرقة للرقص الشعبي، بل مشروعًا ثقافيًا وفنيًا متكاملًا، انطلق من حلم راود الفنان الراحل محمود رضا، الذي آمن بأن الفنون الشعبية تستحق أن تُقدم بصورة حديثة تحفظ أصالتها وتبرز جمالها.

 ومن هذا الحلم، بدأت رحلة طويلة من العمل والاجتهاد حتى أصبحت الفرقة أيقونة للفنون الشعبية العربية والعالمية، حيث بدأت ملامح الفكرة تتشكل لدى محمود رضا منذ سنوات شبابه، عندما تعلم رقص الباليه واطلع على المدارس العالمية في الرقص الاستعراضي.

كما تأثر بالأفلام الموسيقية الأمريكية التي كانت تقدم عروضًا راقصة تعتمد على الاحترافية والتناغم، وانضم إلى نادي «هليوليدو»، حيث شارك في تكوين أول فرقة استعراضية ضمت مجموعة من الشباب والفتيات، وقدمت عروضًا دورية داخل النادي، وكان من بين أعضائها الفنان أسامة عباس.

وفي عام 1954، انضم محمود رضا إلى إحدى الفرق الاستعراضية الأجنبية التي جابت عددًا من العواصم الأوروبية، الأمر الذي أكسبه خبرة واسعة في تصميم الرقصات وإدارة العروض الفنية. 

وأدرك أن التراث الشعبي المصري يمتلك ثراءً هائلًا يمكن تحويله إلى عروض مسرحية تنافس على المسارح العالمية، فبدأ في تنفيذ حلمه بتأسيس أول فرقة متخصصة في الفنون الشعبية.

تقديم الفلكلور المصري

وتعاون محمود رضا مع شقيقه الموسيقار والمخرج علي رضا، والفنانة فريدة فهمي، التي أصبحت لاحقًا الراقصة الأولى للفرقة وأحد أبرز رموزها، بينما أسهم الثلاثي في وضع الأسس الفنية للمشروع، مستفيدين من خبراتهم في الموسيقى والرقص والإخراج وتصميم الأزياء، ليخرج إلى النور أول كيان متخصص في تقديم الفلكلور المصري بأسلوب مسرحي حديث.

أما في أغسطس 1959، قدمت فرقة رضا أول عروضها على مسرح الأزبكية، وضمت آنذاك 13 راقصًا و13 راقصة و13 عازفا، حيث اعتمد محمود رضا على استلهام الرقصات من البيئات المصرية المختلفة، مثل الريف والصعيد والسواحل وسيناء والنوبة، لتقدم الفرقة لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي والجغرافي لمصر.

ولفتت الأنظار داخل مصر وخارجها، خاصة بعد مشاركاتها الدولية التي أبرزت تميزها، مما نال المشروع اهتمام الدولة، إذ أصدر الرئيس جمال عبد الناصر توجيهاته عام 1961 بضم الفرقة إلى وزارة الإرشاد القومي، لتبدأ مرحلة جديدة من التطور، حيث توسعت أعداد الراقصين والعازفين، وتوفرت الإمكانات التي ساعدت على تقديم عروض أكثر احترافية.

 سفير للفنون المصرية

وبعد ذلك تحولت فرقة رضا إلى سفير للفنون المصرية، وجابت عشرات الدول، وقدمت أكثر من ثلاثة آلاف عرض على أكبر المسارح العالمية، من بينها مسرح هيئة الأمم المتحدة في نيويورك وجنيف، ومسرح الأولمبيا في باريس، ورويال ألبرت هول في لندن، ومسرح بيتهوفن في ألمانيا، كما شاركت في مهرجانات دولية كبرى، وحصدت إشادات واسعة بقدرتها على تقديم صورة مشرقة عن الثقافة المصرية.

وقدمت الفرقة عشرات الاستعراضات التي أصبحت جزءًا من ذاكرة المصريين، من بينها «المراكبي»، و«حرامي القفة»، و«بائع العرقسوس»، و«خمس فدادين»، و«الشاويش عطية»، و«النوبة»، و«بنت إسكندرانية»، و«زينة البدو»، و«الشمعدان»، وغيرها من الأعمال التي جسدت ملامح الحياة المصرية بمختلف بيئاتها.

مصممي الرقصات 

كما خرج من رحم الفرقة عدد كبير من الفنانين ومصممي الرقصات الذين أثروا الحركة الفنية، وكان من أبرزهم الراحل حسن عفيفي، الذي بدأ راقصًا داخل الفرقة قبل أن يصبح أحد أهم مصممي الرقصات في مصر، إلى جانب أسماء أخرى أسهمت في الحفاظ على المدرسة الفنية التي أسسها محمود رضا.

لم تخل مسيرة الفرقة من التحديات، فقد خاض محمود رضا العديد من المعارك مع البيروقراطية الإدارية، ودخل في خلافات مع مسؤولين بوزارة الثقافة دفاعًا عن رؤيته الفنية واستقلالية العمل الإبداعي، مؤكدا أن الفن لا يمكن أن يدار بعقلية الموظف، بل بروح الفنان القادر على الابتكار والتجديد.

ورحل محمود رضا في يوليو 2020، بعدما نجح في تحويل الرقص الشعبي من فن محدود الانتشار إلى لغة عالمية تعبر عن هوية مصر وثقافتها.

وبعد مرور 77 عامًا على انطلاق فرقة رضا، ما زالت الفرقة تمثل نموذجًا رائدًا للحفاظ على التراث الشعبي وتطويره، وتؤكد أن الفنون الشعبية ليست مجرد رقصات واستعراضات، بل سجل حي لذاكرة الوطن، وجسر يربط الماضي بالحاضر، ورسالة ثقافية حملت اسم مصر إلى العالم، لتبقى فرقة رضا واحدة من أعظم الإنجازات الفنية في تاريخ الثقافة المصرية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء