الثقافة الجماهيرية في مصر.. كيف بدأت؟ وإلى أين تتجه؟
تمثل الهيئة العامة لقصور الثقافة إحدى أبرز المؤسسات الثقافية في مصر، إذ تعكس مسيرتها الممتدة لأكثر من نصف قرن إيمان الدولة والمثقفين بأن الثقافة ليست ترفًا، بل ضرورة أساسية لبناء الإنسان وتنمية المجتمع، وقد مرت المؤسسة بعدة مراحل تطورت خلالها من فكرة «الجامعة الشعبية» إلى جهاز ثقافي واسع الانتشار يخدم ملايين المواطنين في مختلف المحافظات.
البدايات.. فكرة لتثقيف المجتمع
تعود جذور المشروع إلى عام 1945، عندما تقدم عدد من المفكرين والتربويين بمذكرة إلى وزارة المعارف العمومية (وزارة التربية والتعليم حاليًا)، أوضحوا فيها الحاجة إلى إنشاء مؤسسة تهدف إلى نشر الثقافة بين أفراد الشعب. وكان المفكر أحمد أمين صاحب المبادرة الأساسية، بمشاركة عباس عمار وعدد من كبار المثقفين، بينهم عباس محمود العقاد، وأحمد زكي، ومحمد عوض، وإسماعيل القباني، الذين ناقشوا آليات تنفيذ المشروع.
وفي 10 أكتوبر 1945، أصدر وزير المعارف الدكتور عبدالرازق السنهوري القرار رقم 6545 بإنشاء «الجامعة الشعبية» في القاهرة، لتبدأ نشاطها رسميًا في 4 فبراير 1946، مستهدفة إتاحة التعليم والثقافة لجميع المواطنين دون اشتراط مؤهلات أو شهادات.
الاستفادة من التجارب العالمية
حرص أحمد أمين على دراسة تجارب عدد من الدول في مجال تعليم الكبار ونشر الثقافة العامة، بالتعاون مع مجموعة من العاملين بالإدارة الثقافية في وزارة المعارف. وأسفرت هذه الدراسات عن تقرير تضمن رؤية متكاملة لتطبيق التجربة في مصر، وهو ما مهد لظهور «الجامعة الشعبية» كمؤسسة تهدف إلى نشر المعرفة وتعزيز الوعي المجتمعي.
انتشار المراكز الثقافية
بعد النجاح الذي حققته الجامعة الشعبية والإقبال الكبير على أنشطتها، قررت وزارة المعارف إنشاء 15 فرعًا في المحافظات والمديريات، عُرفت باسم «المراكز الثقافية»، مثل مركز بورسعيد الثقافي ومركز طنطا الثقافي وغيرها.
وركزت أهداف المؤسسة على نشر الثقافة العامة، ورفع المستوى الفكري والاجتماعي للمواطنين، وتنظيم برامج ودراسات علمية وعملية تسهم في تنمية الشخصية وتطوير القدرات الثقافية.
انتقال التبعية إلى وزارة الثقافة
في عام 1958، انتقلت تبعية الجامعة الشعبية إلى وزارة الثقافة والإرشاد القومي، التي أنشئت بعد ثورة 23 يوليو، مع تغيير اسمها إلى «جامعة الثقافة الحرة». وأسهم هذا الانتقال في توسيع دور المؤسسة لتصبح إحدى الأدوات الرئيسية في نشر الوعي القومي وإيصال الفنون والآداب إلى المواطنين في مختلف أنحاء البلاد، بعد أن كانت هذه الفنون حكرًا على فئات محدودة.
ثروت عكاشة وقصور الثقافة
شهدت ستينيات القرن الماضي نقلة نوعية مع وزير الثقافة الراحل الدكتور ثروت عكاشة، الذي استلهم تجربة قصور الثقافة في فرنسا، ليؤسس في ديسمبر 1960 شبكة من قصور الثقافة في المدن المصرية، إلى جانب تنظيم القوافل الثقافية التي جابت المحافظات، مقدمة العروض المسرحية والفنية، وداعمة للمواهب في مختلف المجالات.
وفي 11 نوفمبر 1966، أصدر عكاشة القرار رقم 30 لسنة 1966 بتغيير اسم «جامعة الثقافة الحرة» إلى «الإدارة العامة للثقافة الجماهيرية»، لتبدأ مرحلة جديدة ركزت على توسيع قاعدة المشاركة الثقافية وتعزيز دور الثقافة في التنمية الاجتماعية.
وأكد عكاشة في مذكراته أن مشروع قصور الثقافة حظي بدعم كامل من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الذي كان يؤمن بأن الثقافة ضرورة لا تقل أهمية عن التعليم والبحث العلمي، وهو ما أسهم في ترسيخ المشروع واستمراره.
إنشاء الهيئة العامة لقصور الثقافة
شهد عام 1989 محطة جديدة في مسيرة المؤسسة، مع صدور قرار رئيس الجمهورية رقم 63 بإنشاء «الهيئة العامة لقصور الثقافة»، لتتمتع بالشخصية الاعتبارية وتتبع وزارة الثقافة، باعتبارها إحدى الهيئات المعنية بإدارة المرافق الثقافية ذات الطبيعة الخاصة.
وتتولى الهيئة منذ ذلك الحين تنفيذ برامج ثقافية وفنية متنوعة، تشمل المسرح، والسينما، والموسيقى، والفنون الشعبية، والفنون التشكيلية، إلى جانب خدمات المكتبات والأنشطة الأدبية، بهدف رفع المستوى الثقافي للمواطنين وتعزيز الوعي الوطني في جميع المحافظات.
مسيرة مستمرة
على مدار عقود، تطورت هيئة قصور الثقافة من مبادرة لنشر الثقافة بين المواطنين إلى شبكة ثقافية واسعة تضم قصورًا وبيوتًا ومكتبات ثقافية في مختلف أنحاء مصر، لتواصل أداء رسالتها في دعم الإبداع، واكتشاف المواهب، وترسيخ حق المجتمع في الوصول إلى المعرفة والفنون، باعتبار الثقافة أحد أهم ركائز التنمية وبناء الإنسان.
عدد بيوت وقصور الثقافة
وفقًا لمسؤولين بوزارة الثقافة، يبلغ عدد المواقع الثقافية التابعة للوزارة حاليًا 619 موقعًا على مستوى الجمهورية، إلا أن تنفيذ قرارات الإغلاق الأخيرة، التي تشمل نحو 100 بيت ثقافة، سيخفض هذا العدد إلى ما يقرب من 500 موقع فقط.
ويعكس ذلك استمرار التراجع في أعداد المواقع الثقافية، وهو ما تؤكده بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، التي أظهرت انخفاض عدد قصور وبيوت الثقافة من 594 موقعًا عام 2016 إلى 347 موقعًا بحلول عام 2021، بينما مثّل عام 2017 بداية هذا التراجع الملحوظ، بعد أن سجل عددها 336 موقعًا.









