رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هاني شنودة في مواجهة أم كلثوم وعبد الوهاب.. الصدام الأشهر مع سيد مكاوي

إيجبتكِ

لم يكن طريق الموسيقار الراحل هاني شنودة نحو ترسيخ أفكاره الموسيقية الجديدة مفروشًا بالنجاح منذ البداية، بل واجه واحدة من أبرز المعارك الفنية في تاريخ الموسيقى المصرية الحديثة. فمع ظهوره في سبعينيات القرن الماضي، حمل مشروعًا مختلفًا اعتمد على تطوير شكل الأغنية المصرية، وإدخال أساليب توزيع حديثة وآلات موسيقية لم تكن مألوفة آنذاك، وهو ما أثار اعتراض عدد من رموز المدرسة التقليدية الذين رأوا أن هذه التغييرات تمثل خروجًا عن هوية الأغنية العربية.

ورغم حدة الانتقادات، تمسك شنودة بقناعته بأن الموسيقى فن قابل للتطور، وأن الحفاظ على التراث لا يتعارض مع تقديم أدوات وأساليب جديدة تواكب العصر.

فرقة «المصريين» وبداية الجدل

شكّل تأسيس فرقة المصريين عام 1977 نقطة تحول في مسيرة هاني شنودة، إذ قدم من خلالها لونًا موسيقيًا مختلفًا اعتمد على استخدام الجيتار الكهربائي والدرامز والكيبورد إلى جانب الآلات الشرقية، مع تقديم توزيعات موسيقية حديثة لم تكن معتادة في ذلك الوقت.

وأثار هذا الأسلوب موجة واسعة من الانتقادات، حيث رأى بعض الموسيقيين أن الاعتماد على الآلات الغربية يمثل ابتعادًا عن الطابع الشرقي للأغنية المصرية، ووُجهت إليه اتهامات بـ"تغريب" الموسيقى، بينما أكد شنودة في أكثر من مناسبة أن هذه الآلات ليست سوى وسائل للتعبير الموسيقي، وأن هوية الأغنية يصنعها اللحن والمقام وطريقة التوظيف، وليس نوع الآلة المستخدمة.

مواجهة مع سيد مكاوي حول مفهوم التجديد

ومن أبرز محطات هذا الجدل، اللقاء الذي جمع هاني شنودة بالموسيقار سيد مكاوي داخل نقابة المهن الموسيقية، حيث دار نقاش حول مستقبل الأغنية المصرية وحدود التجديد فيها.

وكان سيد مكاوي من أبرز المدافعين عن المدرسة الشرقية التقليدية، بينما تمسك شنودة برؤيته القائمة على تطوير الموسيقى دون التخلي عن المقامات الشرقية. وخلال اللقاء، استعان شنودة بآلة الكيبورد لعزف ألحان تعتمد على المقامات الشرقية وربع التون، في محاولة لإثبات أن الآلات الحديثة يمكنها تقديم الموسيقى العربية بنفس أصالتها إذا أُحسن استخدامها.

ورغم اختلاف وجهات النظر في البداية، خفت حدة الجدل مع مرور الوقت، خاصة بعد انتشار التجارب الموسيقية الحديثة داخل السوق الغنائية.

رؤية مختلفة في زمن أم كلثوم وعبد الوهاب

لم يقتصر الاختلاف على شكل التوزيع الموسيقي، بل امتد أيضًا إلى بنية الأغنية نفسها. ففي وقت كانت الأغنيات الطويلة التي اشتهرت بها أم كلثوم، وقدمها أيضًا محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، تمثل النموذج السائد في الساحة الفنية، اختار هاني شنودة تقديم أغنيات قصيرة لا تتجاوز ثلاث أو أربع دقائق، تعتمد على الإيقاع السريع والدخول المباشر إلى الفكرة الأساسية دون مقدمات موسيقية طويلة.

ورأى بعض الملحنين في ذلك الوقت أن هذا الأسلوب يبتعد عن التقاليد الفنية الراسخة، بينما اعتبر شنودة أن الأغنية يجب أن تواكب إيقاع الحياة المتغير واهتمامات الأجيال الجديدة. ومع مرور السنوات، أصبح هذا النموذج هو الأكثر انتشارًا في صناعة الموسيقى، سواء في مصر أو العالم العربي.

تطوير دور الكورال داخل الأغنية

ومن الأفكار التي أثارت الجدل أيضًا، إعادة صياغة دور الكورال داخل الأغنية. فبدلًا من اقتصاره على ترديد الكلمات خلف المطرب، قدم هاني شنودة توزيعًا يعتمد على تعدد الأصوات والهارموني، بما يمنح الأغنية بعدًا موسيقيًا أكثر تنوعًا.

ورغم أن هذه الفكرة واجهت تحفظات من أنصار المدرسة التقليدية في البداية، فإنها أصبحت لاحقًا من العناصر الأساسية في كثير من الأعمال الغنائية الحديثة.

من الانتقاد إلى الاعتراف

مع نجاح عدد كبير من الأعمال التي حملت توقيع هاني شنودة، بدأت النظرة إلى مشروعه الفني تتغير تدريجيًا، وأصبحت شركات الإنتاج تبحث عن التوزيع الموسيقي الحديث الذي كان من أوائل من قدموه في مصر.

كما تحولت كثير من الأفكار التي تعرضت للرفض في البداية إلى جزء أساسي من صناعة الأغنية، وأصبح المزج بين الآلات الشرقية والغربية، والاعتماد على الأغنية القصيرة، والتوزيعات الحديثة، من السمات الطبيعية للإنتاج الموسيقي.

وتناقلت تصريحات عديدة إشادة الموسيقار محمد عبد الوهاب بتجربة هاني شنودة، واعتباره واحدًا من المجددين الذين أسهموا في تطوير الأغنية المصرية، وهو ما عُدّ تحولًا مهمًا في النظرة إلى مشروعه الفني.

إرث موسيقي تجاوز حدود الخلاف

وبعد عقود من الجدل، بات هاني شنودة يُنظر إليه باعتباره أحد أبرز رواد التجديد في الموسيقى المصرية الحديثة، إذ نجح في ترسيخ أفكار كانت مثار خلاف في بداياتها، قبل أن تتحول إلى جزء من المشهد الموسيقي السائد. وظلت تجربته نموذجًا على أن التجديد الفني قد يواجه الرفض في البداية، لكنه يفرض حضوره عندما ينجح في مخاطبة الجمهور وتطوير أدوات الإبداع دون التفريط في الهوية الموسيقية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء