إذا كان الإعلام هو المرآة التي ترى الشعوب من خلالها نفسها، وهو القوة الناعمة التي تُشكّل الوعي وتعيد صياغة الذوق العام، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا حدث للإعلام المصري؟.
كيف لبلدٍ أنجبت آلاف العلماء والمفكرين والأدباء والمبدعين أن يصبح جانب معتبر من إعلامها أسيرًا للسطحية، والتكرار، والوجوه التي لا تقدم جديدًا، بينما تُقصى الكفاءات الحقيقية عن المشهد؟.
لقد تحولت شاشات كثيرة إلى مساحة مغلقة، تتكرر فيها الأسماء نفسها، وكأن الإعلام أصبح حكرًا على دائرة محدودة، لا يدخلها إلا أصحاب العلاقات أو أصحاب الحظ، بينما يقف خلف الأبواب آلاف الشباب المتعلمين والمثقفين، يحملون أفكارًا جديدة ورؤى تستحق أن تُسمع.
ولم يعد الأمر مقتصرًا على ضعف المحتوى، بل امتد إلى حالة من الفوضى في الأولويات. فبدلًا من تقديم المعرفة، وصناعة الوعي، والارتقاء بالذوق العام، أصبح المشاهد يطارد برامج تقوم على الإثارة الرخيصة، وكشف الأسرار الخاصة، والخلافات العائلية، وتحويل الحياة الشخصية للناس إلى مادة للقيل والقال علي الصفحات وتحقيق التريند اياً ان كان مدي الوصول بالأذي لصاحب القصه .
حتى البرامج الترفيهية، التي من حقها أن تُمتع الجمهور، فقد كثير منها أبسط مقومات الإبداع، وأصبح الترفيه نفسه فقيرًا، يعتمد على الصخب أكثر من الفكرة، وعلى الجدل أكثر من القيمة.
أما الأخطر، فهو حالة التشوش التي أصابت المشهد كله. نرى من يتحدث باسم العلم دون علم، ومن يتحدث باسم الدين دون مسؤولية، ومن يتحول بين ليلة وضحاها إلى “خبير” في كل شيء، فيختلط الرأي بالمعلومة، والادعاء بالحقيقة، والإعلام في خدمه الإعلان بل في خدمه كل طامح وطامع في الظهور والشهره بلا محتوي ولا ثقافه ولا مهنيه ..
ثم تأتي وسائل التواصل الاجتماعي لتضاعف الأزمة؛ إذ أصبح بإمكان أي شخص، دون إعداد أو معرفة أو مسؤولية مهنية، أن يقدم برنامجًا أو منصة، فيغرق الفضاء العام بكم هائل من المحتوى، بينما تتراجع الجودة أمام السعي وراء المشاهدات.
إن الإعلام ليس مجرد صناعة للترفيه، بل هو أحد أهم أدوات بناء الإنسان. ومن هنا، فإن إعادة تنظيم المنظومة الإعلامية، وتطوير معايير اختيار مقدمي البرامج، وفتح الباب أمام الكفاءات الشابة، يجب أن تكون أولوية وطنية، لأن تأثير الإعلام لا يقل خطورة عن تأثير التعليم والثقافة.
لسنا في حاجة إلى مزيد من الضجيج، ولا إلى المزيد من المجاملات، ولا إلى تدوير الوجوه ذاتها عامًا بعد عام. نحن في حاجة إلى إعلام يحترم عقل المشاهد، ويعيد الثقة في الشاشة المصرية، ويؤمن بأن الكفاءة وحدها هي الطريق إلى الجمهور.
لقد آن الأوان لأن نتوقف عن إدارة المشهد بالمسكنات، وأن نبدأ مراجعة حقيقية وشجاعة. فالإعلام الذي لا يصنع الوعي، ولا يحترم الذوق، ولا يفتح أبوابه لأصحاب الكفاءة، يفقد رسالته شيئًا فشيئًا.
مصر أكبر من هذا المشهد، الذي يسوده العبث والتي تسيطر عليه الماده والمصالح.. مصر تستحق إعلامًا يليق بتاريخها، وثقافتها، وعقول أبنائها.