حجر رشيد.. الاكتشاف الذي أعاد صوت المصريين القدماء إلى العالم
تمر في 19 يوليو ذكرى اكتشاف حجر رشيد عام 1799، وهو الحدث الذي مثّل نقطة تحول في دراسة الحضارة المصرية القديمة، بعدما أصبح المفتاح الذي قاد لاحقًا إلى فك رموز الكتابة الهيروغليفية، وكشف جانبًا كبيرًا من تاريخ المصريين القدماء الذي ظل غامضًا لقرون طويلة.
اكتشاف غير مجرى التاريخ
عُثر على حجر رشيد أثناء الحملة الفرنسية على مصر، خلال أعمال تدعيم التحصينات العسكرية في قلعة قايتباي بمدينة رشيد، المعروفة في المصادر الفرنسية باسم “حصن جوليان”، وكان الضابط الفرنسي بيير فرانسوا بوشار هو أول من لفت الانتباه إلى أهمية الحجر، بعدما لاحظ أنه يحمل نصوصًا منقوشة بثلاث كتابات مختلفة، الأمر الذي جعله يدرك أنه أمام اكتشاف استثنائي قد يساعد في فهم اللغة المصرية القديمة.
ورغم أن العثور على الحجر جاء أثناء أعمال عسكرية، فإن الحدث تجاوز في أهميته الإطار العسكري، ليصبح أحد أبرز الاكتشافات الأثرية في التاريخ، إذ فتح الباب أمام دراسة حضارة ظلت كتاباتها عصية على الفهم منذ اندثارها.
بوشار.. الضابط الذي غاب عن الأضواء
على الرغم من ارتباط اسمه باكتشاف حجر رشيد، فإن الضابط الفرنسي بيير فرانسوا بوشار لم يحظ بالشهرة التي نالها علماء الآثار واللغات الذين جاءوا بعده، فقد ظل اسمه حاضرًا في سطور قليلة داخل الكتب التاريخية، بينما انصب الاهتمام على قصة فك رموز الحجر وما ترتب عليها من اكتشافات.
وتشير دراسة للدكتور أحمد يوسف، عضو المجمع العلمي المصري، بعنوان "الضابط بوشار الذي لا نعرفه مكتشف حجر رشيد"، إلى أن بوشار نشأ في أسرة بسيطة لنجار ريفي، وعانى ظروفًا معيشية صعبة، لكنه أصر على استكمال تعليمه، خاصة في الرياضيات، قبل أن يلتحق بالجيش الفرنسي عام 1793 وهو في الثانية والعشرين من عمره، ليبدأ مسيرة عسكرية قادته في النهاية إلى مصر، حيث ارتبط اسمه بأحد أهم الاكتشافات الأثرية في العالم.
من فرنسا إلى مصر
بعد انضمامه إلى الجيش، عمل بوشار في عدة وحدات عسكرية، ثم انتقل عام 1794 إلى الفرقة الثانية للمناطيد، وهي إحدى الوحدات العسكرية المتخصصة آنذاك، وبعد فترة تدريب قصيرة، التحق بالمدرسة الوطنية للمناطيد في ضاحية مودون قرب باريس، وهناك تعرّف إلى العالم والمهندس الفرنسي نيكولا جاك كونتيه، الذي لعب دورًا مهمًا في مسيرته العلمية والعسكرية، قبل أن يرافقه لاحقًا ضمن الحملة الفرنسية إلى مصر.
وخلال وجوده في مصر، لم يكن بوشار يتوقع أن يقوده عمله العسكري إلى اكتشاف سيغير مسار علم المصريات، ويجعله، ولو بصورة غير مباشرة، جزءًا من واحدة من أهم المحطات في تاريخ دراسة الحضارة المصرية القديمة.
المفتاح إلى الهيروغليفية
تميز حجر رشيد باحتوائه على نص واحد مكتوب بثلاثة أنظمة كتابية مختلفة هي: الهيروغليفية، والديموطيقية، واليونانية القديمة، وقد أتاح ذلك للباحثين مقارنة النصوص ببعضها، الأمر الذي مهد الطريق أمام العالم الفرنسي جان فرانسوا شامبليون لفك رموز الهيروغليفية عام 1822، بعد سنوات طويلة من البحث والدراسة.
وبفضل هذا الإنجاز، أصبح بالإمكان قراءة آلاف النقوش والبرديات والمعابد والمقابر المصرية، وهو ما أسهم في إعادة كتابة تاريخ المصريين القدماء اعتمادًا على مصادرهم الأصلية، بعد أن ظل تاريخهم لفترات طويلة يعتمد على الروايات اليونانية والرومانية.





