في زمنٍ كان فيه الوصول إلى كأس العالم حكاية تُروى، أصبحنا نعيش زمنًا يمكن فيه أن يختفي الإنجاز خلف لقطة، وأن يتراجع التاريخ أمام تفصيلة صغيرة.
وحين يصبح إنجاز الزوجة أهم من إنجاز المنتخب… نعرف أننا دخلنا منطقة جديدة من إعلام التيك توك.
لم يعد السؤال دائمًا: ماذا حدث؟ بل أصبح: ماذا سينتشر؟
في حكاية حسام حسن، نحن أمام اسم لا يحتاج إلى تقديم. رجل صنع تاريخًا طويلًا في كرة القدم المصرية، ثم حمل مسؤولية قيادة منتخب مصر في مونديال 2026، منتخب وصل إلى دور الـ16، وعاش معه الجمهور لحظات من الفخر والحلم، حتى لو جاءت النهاية بخروج مؤلم.
كان الجمهور ينتظر العميد. كان يريد أن يسمع عن المونديال، عن قراراته، عن كواليس المنتخب، عن الضغوط التي عاشها، عن اللحظات التي لم تظهر أمام الكاميرات، وعن القادم.
كان يريد أن يعرف ماذا فكر المدرب عندما اتخذ قرارًا صعبًا؟ كيف تعامل مع الانتقادات؟ ماذا رأى داخل الملعب وخارجه؟ وما الذي يخطط له بعد هذه التجربة؟
لكن يبدو أننا في زمن أصبحت فيه بعض الأسئلة لا تبحث عن أعمق ما لدى الضيف، بل عن أسرع شيء يمكن أن يتحول إلى ترند.
ولنكن منصفين، قد يكون الضيف صاحب تاريخ كبير لكنه ليس أفضل من يحكي التفاصيل. وهذه ليست مشكلة في الضيف، بل اختبار للإعلام. لأن دور البرنامج ليس فقط أن يجلس أمام شخصية مشهورة، بل أن يبني حكاية كاملة.
إذا كان حسام حسن قليل الكلام، فأين شريك الرحلة؟
أين إبراهيم حسن الذي عاش معه سنوات الملاعب والنجاح والضغوط؟ أين أعضاء الجهاز الفني والمساعدون الذين كانوا داخل تفاصيل التجربة؟ أين الأشخاص الذين شاهدوا القرارات من الداخل؟ أين من يستطيع أن يروي ما حدث خلف الكواليس؟
كان يمكن أن تكون حلقة استثنائية عن رجلين صنعا رحلة واحدة، عن تاريخ وتجربة ومسؤولية، عن منتخب كامل عاش لحظات لا يعرفها الجمهور.
لكن يبدو أحيانًا أن صناعة اللقطة أسهل من صناعة الحوار.
المفارقة أن المشاهد لم يخرج من الحلقة وهو يتحدث عن رؤية حسام حسن كمدرب، أو عن أفكاره وخططه للمنتخب. الحديث الأكبر ذهب إلى التفاصيل الجانبية، إلى المشاهد التي صنعت تفاعلًا، وإلى حضور الزوجة.
والقضية هنا ليست ظهور الزوجة، ولا حق أي إنسان في مشاركة جانب من حياته. القضية عندما تتحول التفاصيل الشخصية إلى البطل الرئيسي، بينما يصبح الإنجاز مجرد خلفية للمشهد.
فالزوجة التي صنعت حضورًا عبر اللايفات والتفاعل مع الجمهور لها مساحتها، لكن السؤال الإعلامي البسيط: هل هذا هو المحتوى الذي يستحق أن يتصدر بعد مدرب قاد منتخب مصر في كأس العالم؟
هل أصبحنا نبحث عن صاحب أعلى تفاعل، أم صاحب أكبر قيمة؟
وبعد أن انتهينا من ترند الزوجة في حكاية حسام حسن، يبدو أننا ننتظر ترندًا جديدًا في حكاية مصطفى زيكو.
وكأن أبطال المونديال لم يعد يكفي أن يكونوا أبطالًا داخل الملعب، بل يجب أن نصنع لهم بطولة أخرى خارج الملعب.
مصطفى زيكو خرج وحكى رحلة كفاحه وصعوباته، وكيف وصل إلى المونديال. قصة أحبها الجمهور لأنها حملت معنى النجاح الحقيقي: لاعب قاتل من أجل حلمه ووصل.
لكن بدلًا من أن تظل الكاميرا عند الإنجاز، انتقلنا إلى مساحة أخرى.
الأم تبكي، والزوجة تتحدث، والجدل يبدأ.
وفجأة تتحول القصة من: كيف وصل اللاعب؟ إلى: من له حق رواية القصة؟
وهنا السؤال ليس عن الأم أو الزوجة. فدموع الأم على ابنها مشهد إنساني، وكلام الزوجة عن زوجها له مشاعره واحترامه. لكن السؤال الأكبر: لماذا نصر على تحويل كل قصة نجاح إلى معركة جانبية؟
لماذا لا نترك البطل بطلًا؟ لماذا نبحث دائمًا عن الجزء الأكثر إثارة بدلًا من الجزء الأكثر قيمة؟
المشكلة ليست في الإنسانية. المشكلة عندما تصبح الإنسانية بديلًا عن الإنجاز.
عندما نعرف من بكى أكثر مما نعرف من قاتل أكثر. عندما نحفظ تفاصيل اللقطة وننسى تفاصيل الرحلة.
الإعلام لا يفقد بوصلته دائمًا، لكنه أحيانًا يغير اتجاهه؛ اتجاه تحدده المشاهدات، وتكتبه الخوارزميات، ويقوده البحث عن لحظة تنتشر.
لكن الترند يعيش ساعات، أما الإنجاز فيحتاج إلى من يحكيه باحترام.
وفي النهاية، الجمهور يملك الريموت، ويملك أيضًا قرار رفع الأشياء أو إسقاطها. نحن من نقرر هل نريد أن نرى البطل، أم نكتفي بمشاهدة ما يدور حوله.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نعرف الإنسان خلف البطل، بل أن يأتي يوم لا نعرف فيه عن البطل إلا ما حدث خلف الستار.
أهلًا بكم في إعلام التيك توك… حيث أحيانًا لا تختفي الحكاية لأنها ضعيفة، بل لأنها لم تحصل على عدد المشاهدات الكافي.