رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تكن ثورة الثالث والعشرين من يوليو عام 1952 مجرد تغيير في نظام الحكم أو انتقال للسلطة من الملكية إلى الجمهورية، بل كانت لحظة فاصلة أعادت صياغة هوية الدولة المصرية، ورسخت مفهوم الدولة الوطنية المستقلة، ووضعت أسس مشروع سياسي واقتصادي واجتماعي لا تزال ملامحه حاضرة في مسيرة الجمهورية حتى اليوم.

 

لقد جاءت الثورة في مرحلة كانت فيها مصر تواجه تحديات مركبة؛ احتلال بريطاني يحد من السيادة الوطنية، وحياة سياسية تعاني من عدم الاستقرار، وأوضاع اجتماعية واقتصادية اتسمت بتفاوت كبير في توزيع الثروة، إلى جانب تداعيات هزيمة حرب فلسطين عام 1948 التي كشفت الحاجة إلى إصلاحات عميقة داخل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية.

 

وفي ظل هذه الظروف، برز تنظيم الضباط الأحرار، الذي رأى أن الإصلاح التدريجي لم يعد كافيًا، وأن البلاد تحتاج إلى تحول جذري يعيد للدولة قدرتها على اتخاذ قرارها الوطني، ويمنح قطاعات واسعة من المجتمع فرصًا أكبر في التعليم والعمل والعدالة الاجتماعية.

 

كانت ثورة يوليو بداية مرحلة جديدة في التاريخ المصري؛ مرحلة انتقلت فيها الدولة من النظام الملكي إلى النظام الجمهوري، وأصبح مفهوم المواطنة والانتماء إلى دولة وطنية مستقلة أحد الركائز الأساسية للمشروع السياسي الجديد. كما أسهمت الثورة في إعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمجتمع، ووسعت من دور الدولة في مجالات التنمية والتعليم والصناعة والخدمات.

 

وعلى الصعيد الوطني، استطاعت مصر خلال سنوات الثورة أن تحقق إنجازات استراتيجية كبرى، في مقدمتها جلاء القوات البريطانية، وتأميم قناة السويس، وبناء السد العالي، وإطلاق برنامج واسع للتصنيع، إلى جانب التوسع في مجانية التعليم والإصلاح الزراعي، وهي مشروعات تركت بصمات واضحة في مسار التنمية المصرية لعقود متتالية.

 

ولم يقتصر تأثير الثورة على الداخل المصري، بل امتد إلى محيطها العربي والإفريقي، حيث أصبحت القاهرة مركزًا لدعم حركات التحرر الوطني، ولعبت دورًا مؤثرًا في تأسيس حركة عدم الانحياز، وهو ما منح مصر مكانة إقليمية ودولية بارزة خلال تلك المرحلة.

 

غير أن قراءة ثورة يوليو تقتضي أيضًا الاعتراف بأن التجربة لم تكن خالية من التحديات؛ فقد شهدت تضييقًا على التعددية السياسية خلال بعض المراحل، وتعاظمًا لدور الدولة في إدارة الاقتصاد، كما تعرض المشروع الوطني لاختبار بالغ الصعوبة عقب هزيمة يونيو 1967. وهذه الجوانب، مثل الإنجازات، تبقى جزءًا من السجل التاريخي الذي يتناوله الباحثون بالدراسة والتحليل.

 

ورغم اختلاف التقييمات حول بعض سياسات الثورة، فإن تأثيرها في تشكيل الدولة المصرية الحديثة يظل حقيقة تاريخية بارزة. فقد أرست مؤسسات الجمهورية، ورسخت فكرة الدولة الوطنية صاحبة القرار المستقل، وأطلقت مشروعات كبرى في البنية الأساسية والتنمية، وهي ركائز استندت إليها الدولة المصرية في مراحل لاحقة، مع اختلاف الرؤى والسياسات من عصر إلى آخر.

 

واليوم، وبعد أكثر من سبعين عامًا، تبقى ثورة 23 يوليو محطة مركزية في التاريخ الوطني، ليس فقط لأنها أنهت عصرًا وبدأت آخر، وإنما لأنها أسست لفكرة الجمهورية المصرية الحديثة، التي واصلت مسيرتها عبر عقود من البناء والتطوير، وتكيفت مع تحديات داخلية وإقليمية ودولية متعاقبة. فالتاريخ لا يُقرأ بمنطق التقديس أو الإدانة، وإنما بفهمٍ موضوعي يوازن بين الإنجاز والتحدي، ويستخلص من التجارب ما يعين على بناء المستقبل.

 

وإذا كانت ثورة يوليو قد رفعت شعار الاستقلال والعدالة الاجتماعية وبناء الدولة، فإن الحفاظ على الدولة الوطنية وتطوير مؤسساتها وتعزيز قدرتها على تحقيق التنمية الشاملة يظل امتدادًا لمسيرة بدأت في ذلك اليوم الفارق من صيف عام 1952، وما زالت فصولها تُكتب في تاريخ الجمهورية المصرية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء