خبير مائي يحسم الجدل.. هل مصر هى أعلى الدول جفافًا في العالم؟
قال الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية، أن هناك خلطًا كبيرًا في استخدام المصطلحات العلمية المتعلقة بالمياه، مشيرًا إلى أن مفهوم "الجفاف" يختلف تمامًا عن "الفقر المائي" أو "القحط"، وأن تداول هذه المصطلحات دون أسس علمية يؤدي إلى نشر معلومات غير دقيقة حول الوضع المائي في مصر.
وأوضح نور الدين، خلال منشور على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أنه لا يفضل التعليق على آراء بعض زملائه، خاصة الأصغر سنًا، كما أبدى تحفظه على إطلاق لقب "أستاذ موارد مائية" دون أن يكون قائمًا على تخصص أكاديمي دقيق، مؤكدًا أن الصفة العلمية ترتبط بالتخصص الذي حصل فيه الباحث على درجة الدكتوراه أو بالمجال الذي يقوم بتدريسه داخل المؤسسة الأكاديمية.
الجفاف لا يرتبط بكمية الأمطار فقط
وأشار أستاذ الموارد المائية، إلى أن الجفاف، وفق التعريف العلمي، لا يعني قلة كميات الأمطار التي تسقط على دولة ما، وإنما يعتمد على العلاقة بين كمية الأمطار ومعدل التبخر، موضحًا أن ارتفاع معدلات التبخر هو العامل الأساسي في تصنيف المناخ على أنه جاف، حيث أن متوسط سقوط الأمطار في مصر يبلغ نحو 20 ملليمترًا سنويًا، بينما يصل معدل التبخر إلى نحو 2000 ملليمتر سنويًا، أي ما يعادل نحو 100 ضعف كمية الأمطار، وهو ما يجعل مصر تقع ضمن نطاق المناخ شديد الجفاف وفق المعايير العلمية التي تعتمد على مقارنة معدلات الأمطار بمعدلات التبخر.
وشدد الدكتور نادر نور الدين، على أن وصف دولة بأنها ذات مناخ جاف لا يعني بالضرورة افتقارها إلى مصادر المياه، موضحًا أن هناك فارقًا واضحًا بين طبيعة المناخ وتوافر الموارد المائية، حيث أن مصر، رغم تصنيفها ضمن الدول ذات المناخ الجاف، تعتمد بشكل رئيسي على مياه نهر النيل، وهو ما يضمن وجود مصدر مستدام للمياه، مشيرًا إلى أن الأمر ذاته ينطبق على شمال السودان الذي يعتمد أيضًا على النيل، وكذلك العراق التي تمتلك نهري دجلة والفرات، فضلًا عن دول أخرى مثل أستراليا التي تمتلك مصادر مائية رغم وقوع أجزاء كبيرة منها في مناطق جافة، وهذا المناخ الجاف يعكس فقط ارتفاع معدلات فقد المياه نتيجة التبخر، وليس انعدام الموارد المائية أو غياب الأنهار والمياه الجوفية.
مقارنة نصيب الفرد من المياه في الدول العربية
وتطرق أستاذ الموارد المائية، إلى قضية نصيب الفرد من المياه، موضحًا أن بعض الدول العربية تسجل معدلات أقل بكثير من مصر، رغم عدم وصفها دائمًا بأنها الأكثر جفافًا، كما أشار إلى أن نصيب الفرد من المياه في الكويت وقطر يقترب من الصفر، بينما يبلغ في الأردن نحو 61 مترًا مكعبًا سنويًا، وفي السعودية نحو 89 مترًا مكعبًا للفرد، في حين يصل نصيب الفرد في مصر إلى نحو 580 مترًا مكعبًا سنويًا.
وأضاف أنه عند احتساب كميات المياه المعاد استخدامها في الزراعة، والتي تقدر بنحو 21 مليار متر مكعب سنويًا، يرتفع نصيب الفرد في مصر إلى ما يقارب 780 مترًا مكعبًا سنويًا، مؤكدًا أن هذه الأرقام توضح ضرورة التمييز بين مفهوم الجفاف ومفهوم الفقر المائي.
الفرق بين الجفاف والفقر المائي والقحط
وأوضح أن الجفاف يعد سمة من سمات المناخ، وهو حالة مستقرة نسبيًا لا تتغير من عام إلى آخر، بينما يشير الفقر المائي إلى انخفاض نصيب الفرد من الموارد المائية المتاحة، وهو مؤشر يرتبط بحجم السكان وكميات المياه المتوافرة، أما القحط، فهو مصطلح علمي مختلف، ويعبر عن تراجع شديد أو اختفاء لمصادر المياه، سواء نتيجة انخفاض كبير في معدلات سقوط الأمطار، أو تراجع تدفقات الأنهار، أو اختفاء المياه السطحية والجوفية.
وأكد أن ما يُعرف بسنوات الشح في تدفقات نهر النيل يمكن وصفه علميًا بأنه حالة "قحط" وليس "جفاف"، لأن الجفاف في مصر يمثل طبيعة مناخية ثابتة، بينما القحط يرتبط بظروف استثنائية تؤثر على حجم الموارد المائية.
دعوة إلى الاعتماد على التخصص العلمي في قضايا المياه
وفي ختام حديثه، أكد الدكتور نادر نور الدين، على أن تخصص الموارد المائية يعد من التخصصات العلمية الدقيقة التي تعتمد على الدراسات والأبحاث الأكاديمية، وليس على المعلومات المتداولة عبر محركات البحث أو المواقع الإلكترونية، مشيرًا إلى أن تناول قضايا المياه يتطلب الاعتماد على المفاهيم العلمية الصحيحة، والتمييز بين المصطلحات المتخصصة، بما يسهم في رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتقديم معلومات دقيقة حول التحديات المائية التي تواجهها مصر، بعيدًا عن الخلط بين مفاهيم الجفاف والفقر المائي والقحط.







