رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مفاجأة.. العرب الضحايا الحقيقيين للغارات الأمريكية على إيران

القصف الأمريكي
القصف الأمريكي

تتسارع وتيرة الأحداث العسكرية وتوالي الضربات الصاروخية التي تستهدف البنية التحتية والموانئ الاستراتيجية في الجنوب الإيراني مثل بندر عباس وجزيرة قشم، تتجه أنظار الرأي العام العالمي والمتابعين تلقائياً نحو حسابات الربح والخسارة بين واشنطن وطهران، وصراع النفوذ فوق مياه مضيق هرمز، غير أن هناك حقيقة جيوسياسية واجتماعية غائبة عن أذهان الكثيرين، ولا تلتفت إليها شاشات الأخبار؛ وهي أن الضحية الأول والمتحمل الأكبر لفواتير هذا القصف الصادمة ــ سواء على صعيد الخسائر البشرية أو تدمير البنى التحتية والتجارية ــ هم المجتمعات والأغلبية العربية المتواجدة على طول الساحل والضفة الأخرى من الخليج.

بندر عباس والأغلبية العربية

تمثل الأغلبية ذات الجذور العربية في مدينة بندر عباس (والتي تُعرف تاريخياً في الأدبيات الجغرافية بـ "جمبرون") ركيزة أساسية في تشكيل الهوية التجارية والبحريّة للمدينة، ينحدر هؤلاء السكان من القبائل العربية التي استقرت على طول الساحل الشرقي للخليج العربي منذ قرون، وأسست شبكات تجارية متطورة ربطت بين ضفتي الخليج والجزيرة العربية. 

وفي قلب المشهد الحواضري المعاصر لبندر عباس، يشكل المجتمع العربي القوة المحركة للأسواق التقليدية والملاحة والصيد البحري، مستفيدين من إرثهم العريق في فهم مسارات البحر وأسرار التجارة الإقليمية، مما جعلهم حلقة الوصل الحيوية بين الموانئ المحلية والأسواق الخليجية المجاورة.

ويتجلى الحضور العربي في بندر عباس بوضوح في الملامح الثقافية واليومية للمدينة، حيث تحافظ العائلات العربية على لغتها وهويتها وتقاليدها جنباً إلى جنب مع اندماجها في النسيج الاقتصادي المعاصر. 

يبرز هذا التأثير في المطبخ "البندري" الذي يعتمد بشكل أساسي على الأسماك المجففة والتوابل والتمور، وفي الأزياء التقليدية التي لا تزال النساء يرتدينها مثل "البطولة" أو البرقع المطرز، والجلابيات الملونة.

 كما يظهر الترابط الاجتماعي في التجمعات والمناسبات الدينية، حيث يشكل الساحل العربي بتنوعه المذهبي وتناغمه مع بقية المكونات لوحة بشرية متماسكة، تمنح بندر عباس طابعها الخاص كمدينة ساحلية لا تنام وممتدة الجذور نحو عمقها العربي.

عرب جزيرة قشم: حراس الجغرافيا والأصالة البحرية

في جزيرة قشم، أكبر جزر الخليج العربي، يتخذ الوجود العربي صبغة أكثر عمقاً وأصالة؛ حيث يشكل العرب المحليون ــ المعروفون تاريخياً وعرقياً بـ "عرب الساحل" أو "الجواسم" و"بني مَعين" وغيرهم ــ الأغلبية السكانية الساحقة في معظم القرى والبلدات الساحلية الممتدة على طول الجزيرة. 

لم يكن هؤلاء السكان مجرد عابري سبيل، بل هم من خطّوا الهوية التاريخية لقشم عبر احترافهم التاريخي لصيد الأسماك، والغوص بحثاً عن اللؤلؤ، وزراعة النخيل في الواحات الممتدة. وبفضل طبيعة الجزيرة الجغرافية، تمكن عرب قشم من الحفاظ على بنية مجتمعية قبلية متماسكة، تلتف حول قيم الكرم والترابط الأسري، وجعلت من قراهم قلاعاً حية لحفظ التراث العربي الساحلي من الاندثار.

وتعد الثقافة واللغة في قشم شاهداً حياً على هذه الأغلبية العربية؛ إذ يتحدث السكان في بيوتهم وأسواقهم اللغة العربية بلهجة ساحلية فصيحة تمتزج ببعض المفردات البحرية القديمة، إلى جانب معرفتهم بالفارسية لمتطلبات الحياة الرسمية. 

ويدين أغلب عرب الجزيرة بالإسلام على المذهب السني الشافعي، ويظهر عمقهم الثقافي في الهندسة المعمارية لمنازلهم المبنية من الطين والحجر والتي تعلوها "الملاقف الهوائية" (الباجير) التي استوردت فكرتها وهندستها عبر رحلاتهم التجارية مع ضفة الخليج الأخرى. 

وفي حين يرتدي الرجال الثوب العربي (الدشداشة) في حياتهم اليومية، تبرز النساء ببراقعهن الزاهية والمطرزة يدوياً بخيوط الذهب، ليقدمن معالم بصرية تؤكد أن قشم لا تزال تحتفظ بروحها وهوية أغلبيتها العربية الأصيلة وموروثها البحري العريق.

بين عامي 1794 و1868، خضعت بندر عباس لسيطرة سلطنة عمان وزنجبار بموجب اتفاقية تأجير مع إيران . ويبدو أن تفاصيل الاتفاقية الأصلية اختلفت بين النسختين العربية والفارسية. 

سيطر العُمانيون على شريط ساحلي يمتد لحوالي 100 ميل من سديج إلى بندر خمير ، وحوالي 30 ميلاً داخل اليابسة من هرمزجان إلى شامل، كما سيطروا على جزيرتي هرمز وقشم . في عام 1823، حاول الإيرانيون طرد العمانيين، لكن السلطان تمكن من الاحتفاظ بالميناء عن طريق رشوة والي شيراز ودفع الجزية له . 

في عامي 1845-1846، هدد جيش بقيادة الحاكم العام لبلاد فارس بالاستيلاء على الميناء، بينما حاصر جيش آخر بقيادة حاكم كرمان ميناب، هدد العُمانيون بمحاصرة إيران، لكن المقيم البريطاني في بوشهر أقنعهم بالانسحاب.

تاريخياً، ارتبط اسم جزيرة قشم ومدينة بندر عباس والمياه المحيطة بهما بواحدة من أعنف جولات المواجهة البحرية بين الولايات المتحدة وإيران خلال أواخر "حرب الناقلات" في الخليج العربي، وتحديداً في 18 أبريل 1988 ضمن ما عُرف عسكرياً بـ عملية يعسوب الفطير.

 

القصف الأمريكي للمنطقتين وتاريخه 

 جاء هذا القصف الأمريكي العنيف رداً على اصطدام فركاطة أمريكية بلغم بحري إيراني، وتحول الساحل الممتد بين بندر عباس وقشم إلى مسرح لغارات جوية وقصف مدفعي مركز شنه الأسطول الأمريكي، مما أسفر عن تدمير منصات نفطية وإغراق وإعطاب عدد من القطع البحرية الإيرانية، وشكّل صدمة عسكرية مباشرة أثرت بشكل حاسم على مجريات الحرب في حسابات طهران القيادية.

ولم تقتصر آثار هذا التوتر العسكري عند هذا الحد، بل امتدت المأساة إلى قصف أمريكي غير مباشر لخطوط الملاحة الجوية المدنية في المنطقة ذاتها؛ ففي 3 يوليو 1988، وبعد أسابيع قليلة من تلك المعركة، شهدت الأجواء الواقعة بين بندر عباس وجزيرة قشم الفاجعة الإنسانية الأبرز، عندما أطلقت الطرادة الأمريكية "فينسينز" صاروخين موجّهين باتجاه طائرة الركاب المدنية الإيرانية (الرحلة 655) التي كانت قد أقلعت للتو من مطار بندر عباس متجهة إلى دبي، مما أدى إلى إسقاطها فوق مياه الخليج بالقرب من جزيرة قشم ومقتل جميع ركابها البالغ عددهم 290 شخصاً، لتبقى تلك الحادثة محفورة في الذاكرة التاريخية للبلدات الساحلية كأثر دائم للصراع العسكري الدولي في مياههم الإقليمية.

قصف بندر عباس وقشم بعد مقتل المرشد علي خامنئي (مايو 2026)

في أعقاب اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي إثر غارات جوية استهدفت طهران في 28 فبراير 2026، اندلعت مواجهة عسكرية مفتوحة أدت إلى فرض الولايات المتحدة حصاراً بحرياً على إيران، ورغم التوصل إلى هدنة مؤقتة ومضطربة في أبريل، إلا أن جبهة الساحل الجنوبي اشتعلت بشكل مفاجئ في 7 مايو 2026.

شنت القوات البحرية والجوية الأمريكية قصفاً مركزاً وعنيفاً استهدف القواعد البحرية والموانئ الحيوية في بندر عباس وجزيرة قشم الاستراتيجية المطلة على مضيق هرمز. وأفادت التقارير الميدانية بسماع دوي انفجارات هائلة على طول الشريط الساحلي الجنوبي لإيران، وتحديداً في منشآت الشحن ومواقع تمركز الزوارق السريعة التابعة للحرس الثوري. واعتُبر هذا الهجوم بمثابة رسالة ردع أمريكية صارمة لمنع طهران من استخدام موانئها الجنوبية لتعطيل الملاحة الدولية أو نقل الأسلحة وسط اتهامات لواشنطن بالسعي لمنع إيران من تطوير سلاح نووي.

 تجدد القصف خلال يوليو 2026

عقب انهيار الهدنة الطويلة والمساعي الدبلوماسية مطلع هذا الشهر، دخلت الحرب الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة وُصفت بـ “حرب استنزاف البنية التحتية”، وخلال الساعات الـ 48 الماضية (15 - 16 يوليو 2026)، تعرضت بندر عباس وجزيرة قشم لجولات قصف هي الأعنف منذ أسابيع:

ركز القصف الأمريكي الأخير خلال اليومين الماضيين بشكل مباشر على تدمير شبكات نقل الطاقة والمصافي النفطية في بندر عباس، إلى جانب قصف مستودعات الطائرات المسيرة ومنصات إطلاق الصواريخ المثبتة في المناطق الجبلية لجزيرة قشم.

جاء هذا القصف متزامناً مع التهديدات الإيرانية والأوامر الصادرة للحوثيين بإغلاق مضيق باب المندب، فضلاً عن تهديد الحرس الثوري بوقف تصدير النفط تماماً عبر مضيق هرمز. وترى الدوائر الاستخباراتية أن الهجمات الأمريكية المكثفة خلال اليومين الماضيين تستهدف شل القدرات الهجومية الإيرانية على الساحل الجنوبي قبل أن تتمكن طهران من تنفيذ تهديدها بتلغيم الممرات المائية أو ضرب منشآت الطاقة في دول الجوار.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء