رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

انتهت أيام السهر والقلق، وانتهى معها كابوس الثانوية العامة الذي ظل يلاحق الطلاب وأسرهم شهورًا طويلة.

 

البيوت التي كانت مغلقة على الكتب عادت تتنفس من جديد، والطلاب الذين عاشوا تحت ضغط الدرجات عادوا يبحثون عن أنفسهم.

 

لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها الآن هي أن نهاية الثانوية ليست نهاية المعركة، بل بداية المعركة الحقيقية.

 

فالمرحلة القادمة هي التي سترسم شكل الحياة المهنية للسنوات القادمة، وهي التي ستحدد هل سيكون الخريج مطلوبًا في سوق العمل، أم سيظل يبحث عن فرصة.

 

اختيار الكلية اليوم لم يعد رفاهية، ولا قرارًا عاطفيًا، ولا مجرد تقليد، أو استجابة لرغبة الأسرة في كلية معينة.

 

أصبح اختيارًا استراتيجيًا مرتبطًا مباشرةً بمعطيات سوق العمل، وبما يحتاج إليه الاقتصاد المحلي والعالمي خلال السنوات العشر القادمة.

 

العالم يتغير بسرعة غير مسبوقة، والوظائف التي كانت مضمونة منذ سنوات تختفي، وتظهر مكانها مهن جديدة لم نسمع عنها من قبل.

 

الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والاقتصاد الأخضر، والأمن السيبراني، أصبحوا هم اللاعبون الأساسيون في سوق العمل.

 

الكليات التي كانت تعتمد على الحفظ والتلقين لم تعد كافية إذا لم يصاحبها تدريب عملي، ومهارات رقمية، وإتقان للغات، وخبرة ميدانية.

 

لذلك، قبل أن يكتب الطالب رغباته، عليه أن يسأل سؤالًا بسيطًا ومباشرًا:

 

ما التخصصات التي ستنمو بعد خمس سنوات؟ وما التخصصات التي ستنتهي؟ وما المهارات التي يبحث عنها أصحاب العمل اليوم؟

 

الطب والهندسة ما زالا مطلوبين، لكن بفروع جديدة، مثل هندسة البيانات، والروبوتات، والطاقة المتجددة.

 

علوم الحاسب، وتكنولوجيا المعلومات، وأمن الشبكات، وتحليل البيانات، أصبحت من أكثر التخصصات طلبًا، وأعلاها دخلًا.

 

التسويق الرقمي، وإدارة الأعمال الحديثة، والإعلام الجديد، وصناعة المحتوى، دخلت بقوة إلى سوق العمل الحر والشركات الناشئة.

 

في المقابل، هناك تخصصات تشبعت تمامًا، وأصبح الخريج فيها يواجه البطالة، أو يضطر إلى العمل في مجال لا علاقة له بما درسه.

 

المشكلة ليست في الشهادة نفسها، بل في الفجوة بين ما تدرسه الجامعة وما يطلبه سوق العمل.

 

هنا يأتي دور الأسرة في دعم الاختيار الواعي، بدلًا من الضغط باسم الكلية ومكانتها الاجتماعية.

 

كما يأتي دور الجامعات ومراكز الدراسات في توفير بيانات حقيقية عن احتياجات سوق العمل، وربط المناهج بالمتطلبات الفعلية.

 

ويأتي دور الدولة في التوسع في التعليم الفني والتكنولوجي، والتدريب المهني؛ لأنه المستقبل الحقيقي.

 

الطالب الذكي هو من يفكر خارج الصندوق، ويطور نفسه أثناء الدراسة من خلال الدورات التدريبية، والبرامج، والتدريب العملي.

 

ومن يمتلك مهارة واحدة قوية إلى جانب شهادة جامعية، تصبح له قيمة مضاعفة في سوق العمل.

 

انتهاء الثانوية العامة هو لحظة تحرر، ولكنه أيضًا لحظة مسؤولية.

 

فمن يختَرْ صحيحًا اليوم، يوفر على نفسه سنوات من التيه والحيرة والبحث عن وظيفة.

 

ومن يختَرْ بعشوائية، سيكتشف بعد التخرج أنه يحتاج إلى أن يبدأ من جديد.

 

المستقبل لا ينتظر أحدًا، والفرص تذهب إلى من يستعد لها مبكرًا.

 

لذلك، اجعل اختيارك للكلية أول قرار استراتيجي حقيقي في حياتك.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء