رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لم تكن الثانوية العامة 2026 مجرد امتحانات تبدأ مع دقات التاسعة صباحًا وتنتهي بإغلاق آخر لجنة، بل كانت ملحمة إنسانية كاملة، اختلط فيها الخوف بالأمل، والنجاح بالجدل، والانضباط بالشائعات، حتى غدت مرآة صادقة تعكس نبض المجتمع كله؛ أحلامًا معلقة، وضغوطًا متراكمة، وأسئلة لم تجد إجاباتها بعد.

على مدار أسابيع الامتحانات، خاض أكثر من 921 ألف طالب وطالبة معركة لم تكن مع ورقة الأسئلة وحدها، بل مع القلق، وضيق الوقت، وثقل التوقعات، وسيلٍ لا ينقطع من الشائعات التي سبقت الحقائق في كثير من الأحيان، حتى بدا أن الامتحان الحقيقي يُكتب خارج اللجان بقدر ما يُكتب داخلها.

ومع إسدال الستار على آخر امتحان، لم تنتهِ الحكاية، بل بدأت فصولها الأكثر أهمية؛ فصول المراجعة، واستخلاص الدروس، وإعادة قراءة موسم سيظل حاضرًا طويلًا في ذاكرة المصريين.

كان امتحان الكيمياء عنوان الجدل الأكبر هذا العام. ورقة واحدة أشعلت مواقع التواصل الاجتماعي، وانقسم حولها الطلاب والمعلمون وأولياء الأمور بين من رأى أنها التزمت بالمواصفات، ومن اعتبرها أكثر صعوبة مما أُعلن. وبين الرأيين، بقي السؤال معلقًا: هل تكفي البيانات المقتضبة لاحتواء الجدل، أم أن الشفافية الكاملة أصبحت ضرورة لا غنى عنها؟

لقد كشف هذا الموسم أن المعلومة لم تعد مجرد خبر، بل أصبحت جزءًا من العدالة نفسها، وأن الفراغ المعلوماتي يمنح الشائعات فرصة للتمدد، حتى تكاد تنافس الحقيقة.

وفي المقابل، حضرت معركة الغش الإلكتروني كعادتها، لكنها هذه المرة تركت لغزًا استثنائيًا عُرف باسم «المفرش البني»، بعدما تكرر ظهوره في الصور المتداولة لأسئلة الامتحانات، ليتحول إلى رمز أثار التساؤلات، بينما بقيت الحقيقة الكاملة غائبة.

وزادت علامات الاستفهام مع غياب الأرقام الرسمية اليومية الخاصة بمحاضر الغش والمخالفات، بعدما اعتادت الوزارة إعلانها في المواسم السابقة. ولم يكن غياب الأرقام وحده هو ما أثار التساؤلات، بل غياب التفسير أيضًا، لأن الثقة لا تُبنى بالنتائج وحدها، وإنما تُبنى كذلك بالمصارحة.

لكن أكثر مشاهد الموسم إيلامًا لم يكن داخل اللجان، ولا على منصات التواصل الاجتماعي، بل في بيوت خمسة طلاب غادروا الحياة قبل أن يعرفوا نتيجة رحلة امتدت اثني عشر عامًا من الدراسة. خمسة أحلام توقفت قبل لحظة الحصاد، لتؤكد أن الثانوية العامة ليست مجرد اختبار أكاديمي، بل تجربة نفسية قاسية تستدعي منظومة حقيقية للدعم والإرشاد، تحمي الطلاب من ضغوط قد تفوق طاقتهم.

ورغم كل ما سبق، لا يمكن إنكار نجاح الدولة في إدارة واحدة من أكبر العمليات التنظيمية في مصر، بمشاركة مئات الآلاف من الطلاب داخل آلاف اللجان، وسط إجراءات أمنية ولوجستية معقدة. غير أن النجاح التنظيمي، على أهميته، لا يكتمل إلا بنجاح موازٍ في إدارة المعلومة، وتعزيز الشفافية، وبناء جسور الثقة مع المجتمع.

لقد أثبت موسم الثانوية العامة 2026 أن الامتحان الحقيقي لم يكن للطلاب وحدهم، بل كان أيضًا امتحانًا لقدرة المؤسسات على مواجهة الشائعات، وإدارة الرأي العام، ومواكبة التحديات التي فرضتها التكنولوجيا على منظومة الامتحانات.

واليوم، وقد انتقلت المعركة من اللجان إلى الكنترولات، يبقى الأمل معلقًا على أن يحصل كل طالب على حقه كاملًا، وأن تكون النتيجة انعكاسًا صادقًا لجهده، لا لضجيج منصات التواصل أو أحكامها المتعجلة.

ويبقى الدرس الأكبر أن تطوير التعليم لا يبدأ من ورقة الامتحان، بل يبدأ من بناء الثقة، وترسيخ الشفافية، وصون كرامة الطالب، والاهتمام بالإنسان قبل المجموع. فالأوطان لا تُبنى بالأرقام وحدها، وإنما تُبنى بالعدل، والصدق، والرحمة.

وهكذا سيظل موسم الثانوية العامة 2026 حاضرًا في الذاكرة، ليس لأنه شهد امتحانًا صعبًا، أو جدلًا واسعًا، أو وقائع غش أثارت الرأي العام، بل لأنه كشف أن وراء كل ورقة إجابة إنسانًا، ووراء كل رقم حلمًا، ووراء كل نتيجة حكاية لا يعرف تفاصيلها إلا أصحابها.

وعندما تُغلق الكنترولات أبوابها، وتُطوى أوراق الإجابة، وتُعلن النتيجة، سيحتفل كثيرون، وسيتعثر آخرون، لكن ما يجب ألا يغيب عن الذاكرة أن الثانوية العامة ليست نهاية الحياة، ولا تختزل قيمة الإنسان في رقم، ولا تختصر المستقبل في مجموع.

سيبقى في الذاكرة أن هناك طلابًا عادوا إلى بيوتهم يحملون بشائر الأمل، وآخرين لم يعودوا أصلًا، بعدما سبقهم القدر إلى رحلته الأخيرة قبل أن يسمعوا كلمة «مبروك». وستبقى تلك المقاعد الخالية شاهدًا صامتًا على أن أغلى ما نملكه ليس الدرجات، بل الإنسان نفسه.

لهذا، فإن الحكاية التي لا ترويها الدرجات هي الأهم... حكاية الخوف الذي عاشته الأسر، والدعوات التي ارتفعت في جوف الليل، والدموع التي اختلطت بالرجاء، والأحلام التي انتظرت خلف أبواب اللجان، والقلوب التي ظلت معلقة حتى اللحظة الأخيرة.

فالثانوية العامة، في نهاية المطاف، ليست مجرد امتحان، بل امتحان لوطن بأكمله؛ وطنٍ يقيس نجاحه الحقيقي بقدرته على أن يمنح أبناءه العلم دون خوف، والأمل دون قلق، والعدل دون تمييز، والرحمة قبل أي مجموع. فالأرقام تُنسى، والنتائج تُطوى، أما الحكايات الإنسانية... فتبقى خالدة في الذاكرة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء