رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

 

 

هناك أسئلة لا تحتاج إلى ضجيج حتى تصبح مؤلمة… يكفي أن تُطرح في الوقت الذي يهرب فيه الجميع من الإجابة.

 

ومن أكثر الأسئلة التي كشفتها معركة حق الأداء العلني من يملك النجاح بعد أن يصنعه الجميع؟

في لحظة النجاح، تتجه الأضواء إلى النجم، وتُفتح أبواب الاحتفال، وتُعلن الأرقام عن الملايين. لكن عندما يبدأ الحديث عن العائد المستمر من هذا النجاح، تختفي أسماء كثيرة كانت جزءًا أساسيًا من صناعته.

 

وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية.

 

حق الأداء العلني لم يعد مجرد خلاف قانوني بين الفنانين والمنتجين، بل أصبح سؤالًا عن شكل العدالة داخل صناعة كاملة. من يشارك في صناعة القيمة؟ ومن يحصل على نصيبه عندما يستمر العمل في تحقيق أرباح بعد سنوات من إنتاجه؟.

 

الفنانون الذين يطالبون بتفعيل هذا الحق لديهم منطق واضح؛ فالعمل الفني اليوم لم يعد ينتهي بانتهاء عرضه الأول. فيلم أو مسلسل قد يعيش سنوات عبر القنوات والمنصات الرقمية وإعادة العرض، وقد يتحول عمل قديم إلى مصدر دخل جديد ومتكرر.

 

وهنا يظهر السؤال الذي يصعب تجاهله:

إذا كان العمل لا ينتهي فلماذا تنتهي حقوق بعض من صنعوه؟

لكن الصورة ليست بهذه البساطة.

 

فالمنتج ليس مجرد شخص يجلس في النهاية ليجمع الأرباح، كما يحاول البعض تصويره. هو الطرف الذي يدفع الأموال ويتحمل المخاطرة، وقد يخسر ملايين قبل أن يعرف الجمهور اسم العمل. هناك مشاريع تفشل، واستثمارات لا تعود، وصناعة قائمة على الاحتمالات قبل أن تكون قائمة على الأرباح.

 

ومن هنا تأتي مخاوف المنتجين: كيف نضمن حقوق الفنانين دون أن يتحول الأمر إلى التزامات غير محسوبة تهدد استمرار الإنتاج نفسه؟

الحقيقة أن الطرفين لديهما جزء من الحق، لكن المشكلة أن النقاش اختُصر دائمًا في معادلة ضيقة: نجم ومنتج.

 

وكأن العمل الفني يولد بينهما فقط.

 

بينما هناك عالم كامل خلف الكاميرا لا يظهر في لحظة التصفيق.

 

هناك فني الإضاءة، ومهندس الصوت، وعامل الديكور، والنجار، ومنفذ الملابس، والماكيير، وكل أصحاب المهن الذين يصنعون التفاصيل التي تجعل العمل قابلًا للحياة.

 

هؤلاء لا يقفون على المسرح عند النجاح، ولا تكتب أسماؤهم بخط كبير على الأفيش، لكن من دونهم لا توجد صورة ولا مشهد ولا عمل.

 

وهنا يصبح السؤال أكبر:

هل القيمة تُقاس بمن يظهر أمام الكاميرا فقط؟ أم بكل من ساهم في صناعة اللحظة؟

فالعدالة لا تعني أن يحصل الجميع على نفس العائد، لكنها تعني ألا يختفي أصحاب الأدوار الحقيقية تمامًا من الحساب.

 

وفي جانب آخر من المشهد، هناك فنانون لم يكونوا يومًا بعيدين عن الضوء، لكن تغيرات السوق دفعت بعضهم للبحث عن أبواب أخرى للرزق . ظهر بعضهم على منصات التواصل، واتجه آخرون لصناعة محتوى رقمي، ليس لأن الشهرة الرقمية كانت حلمهم الأول، ولكن لأن الحياة لا تنتظر أحدًا.

 

فنان أمضى سنوات في عمله، ثم وجد نفسه يبحث عن مصدر دخل جديد.

 

وهنا يصبح السؤال إنسانيًا قبل أن يكون قانونيًا: هل كان وجود منظومة أكثر عدلًا في توزيع العوائد سيمنح هؤلاء فرصة لحياة أكثر استقرارًا؟

ربما.

 

لكن في المقابل، لا يمكن تحويل الحديث عن الحقوق إلى هجوم على نجاح النجوم. فالموهبة لها ثمن، والنجاح يستحق التقدير، والجمهور هو من يمنح بعض الأسماء مكانتها.

 

المشكلة ليست أن يحقق الفنان نجاحًا كبيرًا.

 

المشكلة تبدأ عندما تتحول صناعة جماعية إلى مكاسب تذهب في اتجاه واحد فقط.

 

فأن يحصل النجم على أجر كبير بسبب موهبته وشعبيته أمر مفهوم، لكن الفجوة تصبح صادمة عندما نجد من يحقق الملايين، بينما من شارك في صناعة هذا النجاح يحصل على أقل القليل.

 

فالنجاح له أبطال كثيرون… وليس من العدل أن نتذكر بعضهم وننسى الآخرين.

 

وهنا تأتي النقطة التي لا يمكن تجاهلها  الزمن نفسه تغير.

 

قانون رقم 82 سنة 2002 جاء في مرحلة كان فيها شكل السوق الفني مختلفًا تمامًا. لم تكن المنصات الرقمية بهذه القوة، ولم يكن العمل الفني يعيش حيوات متعددة عبر شاشات وأسواق مختلفة كما يحدث اليوم.

 

كان عمر العمل أقصر، أما الآن فأصبح العمل الفني أصلًا يمكن إعادة استغلاله وتحقيق عوائد منه لسنوات.

 

لذلك لا يمكن لصناعة تغيرت أدواتها وأسواقها وأرباحها أن تظل محكومة بنفس المعادلات القديمة.

 

احترام القانون لا يعني تجميد الزمن، بل يعني تطويره بما يحقق التوازن بين حماية الاستثمار وحماية أصحاب الحقوق.

 

ومن وجهة نظري، حق الأداء العلني ليس رفاهية، لكنه أيضًا لا يجب أن يتحول إلى حق لفئة واحدة فقط. العدالة لا تعرف الأسماء اللامعة وحدها، بل تعترف بكل من ساهم في صناعة القيمة.

 

المطلوب ليس إلغاء دور المنتج، ولا منح طرف كل شيء وترك الآخر يدفع الثمن.

 

المطلوب نظام جديد يضمن أن يستمر الإنتاج، وفي الوقت نفسه يحفظ حقوق من يصنعون هذا الإنتاج.

 

لأن الفن لا يصنعه شخص واحد، ولا يحمل توقيع اسم واحد.


فخلف كل نجم فريق كامل، وخلف كل نجاح أسماء لا يعرفها الجمهور.

 

وفي النهاية، معركة حق الأداء العلني ليست معركة أموال فقط بل اختبار لطريقة تفكير صناعة بأكملها.

 

فالعدالة ليست أن نطفئ ضوء من يقف في المقدمة، بل أن نتذكر من حملوا هذا الضوء حتى يصل إليه.

 

لأن الفن الذي ينسى صُنّاعه قد يظل ناجحًا في الأرقام…


لكنه يخسر روحه.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء