الوجبات السريعة والبطاطس المقلية كلمة السر
صنع في المنزل.. كيف ندخل السرطان بيوتنا؟
في إحدى ضواحي القاهرة، جلست أم ياسين بجوار ابنها 17عامًا في غرفة المستشفى، ترفض تصديق تشخيص الأطباء بسرطان القولون. لم تستوعب كيف أصيب طفلها بهذا المرض في هذه العمر المبكر. لكنها تتذكر جيدًا ولعه بالوجبات السريعة، واعتيادهم على قلي البطاطس يوميًا في زيت يُستخدم لمرات متكررة.
وفوجئت نهى، ربة المنزل الأربعينية، بتشخيص إصابتها بسرطان الثدي، رغم أنها لا تملك تاريخًا عائليًا للمرض. لكنها تسترجع عادة وضع المشروبات الساخنة في أوعية بلاستيكية "لتوفير الوقت"، معتقدة أن الأمر لا يسبب ضررًا، إلى أن اكتشفت عكس ذلك.
أما حسن، الموظف الخمسيني، فلم يكن يربط بين وجباته اليومية من اللحوم المصنعة وبين إصابته بورم في المعدة. كان يعتبر اللانشون والسجق "وجبة سريعة ولذيذة"، دون أن يدرك أن المواد الحافظة والنيتريت المضافة لهذه المنتجات تتحول داخل الجسم إلى مركبات مسرطنة.
قصص كهذه ليست حالات فردية، بل تعكس واقعًا مقلقًا: هناك "سرطان يتسلل إلى منازلنا" عبر عادات يومية نمارسها دون وعي، بدءًا من طريقة طهي الطعام وحفظه، مرورًا بالتدخين السلبي، وصولًا إلى الاعتماد على الأغذية المصنعة. وبينما يحذر الخبراء من تزايد نسب الإصابة بين الشباب تحديدًا، تبدو الحاجة ملحة لإعادة النظر في تفاصيل حياتنا اليومية التي قد تتحول بصمت إلى قنابل موقوتة.
العادات اليومية: الباب الخلفي للإصابة بالسرطان
تؤكد الدراسات أن العادات الغذائية اليومية وأنماط الحياة تمثل عاملًا حاسمًا في الوقاية من السرطان أو زيادة احتمالية الإصابة به. تقول الدكتورة علا خورشيد، رئيس قسم طب الأورام بالمعهد القومي للأورام، إن كثيرًا من الممارسات التي نقوم بها داخل منازلنا قد تكون سببًا مباشرًا في زيادة أعداد الإصابات، مشيرة إلى أن "طريقة تغذيتنا، والعادات اليومية، والمواد التي ندخلها بيوتنا، وأسلوب استهلاكنا، كلها عناصر مؤثرة على صحتنا.
1. التدخين السلبي: خطر يتجاوز المدخن
تؤكد الدكتورة خورشيد أن التدخين يظل الخطر الأكبر، ولا يقتصر ضرره على المدخن، بل يمتد ليشمل كل من حوله. وتحذر من أن التدخين السلبي "يؤدي لزيادة فرص الإصابة بالسرطان" حتى لو تم التدخين في مكان بعيد داخل المنزل.
2. الهرمونات والأدوية: تحذيرات وراثية
تلفت الدكتورة خورشيد إلى أن بعض الأدوية قد ترفع احتمالات الإصابة بالسرطان عند استخدامها بشكل غير مدروس، خاصة لدى من لديهم عامل وراثي أو تاريخ عائلي مع الأورام. وتوجه نصائح خاصة للنساء اللاتي لديهن تاريخ مرضي بسرطان الثدي، حيث تحذر من استخدام الهرمونات: "السيدات اللاتي لديهن تاريخ وراثي أو إصابة سابقة بسرطان الثدي يجب أن يتجنبن حبوب منع الحمل الهرمونية، وكذلك الامتناع عن الحصول على العلاج الهرموني البديل بعد انقطاع الدورة الشهرية، لأن ذلك يزيد من احتمالات عودة أو ظهور السرطان."
3. التطعيمات: خط الدفاع الوقائي
تنصح الدكتورة خورشيد بشدة بضرورة الحصول على التطعيمات الخاصة بالفيروسات المرتبطة بالسرطان، مثل لقاحات التهاب الكبد الوبائي ولقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، الذي يُعتبر السبب الرئيسي في الإصابة بسرطان عنق الرحم.
أخطاء الطهي والحفظ: مسببات الأورام الصامتة
تحذر الدكتورة مها حنفي، أستاذ التغذية والكيمياء الحيوية بالمركز القومي للبحوث، من عادات غذائية يومية تُمارَس داخل المنازل وتشكل عوامل خطورة أساسية لزيادة معدلات الإصابة بالسرطان.

1. البلاستيك والمشروبات الساخنة
قالت الدكتورة حنفي إن من أبرز هذه العادات وضع الأطعمة أو المشروبات الساخنة داخل أوعية بلاستيكية، مشددة على أن ذلك يشكل خطرًا كبيرًا على الصحة حتى وإن كان البلاستيك مخصصًا للطعام أو قابلًا للاستخدام في الميكروويف، وتعتبر هذه الممارسات "من أسرع مسببات الأورام."
2. تكرار استخدام الزيت للقلي
من الأخطاء الشائعة أيضًا إعادة استخدام الزيت للقلي أكثر من مرة، حيث يؤدي تكرار القلي إلى تكون مركبات ضارة مرتبطة بزيادة معدلات الإصابة بالسرطان. وتوصي بألا يتجاوز استخدام الزيت مرتين فقط، مع تصفيته جيدًا وحفظه في عبوات زجاجية محكمة الغلق بعيدًا عن الضوء والهواء، لأن تعرض الزيت للأكسدة يجعله مسببًا مباشرًا للأورام.
3. اللحوم المصنعة والمعلبات
لفتت الدكتورة حنفي إلى خطورة تناول اللحوم المصنعة مثل اللانشون والسجق، لاحتوائها على مادة النيتريت التي تتحول داخل المعدة إلى مركبات مسرطنة. وتُضاف هذه المادة لإعطاء اللحوم اللون الوردي المميز وإطالة فترة صلاحيتها، ورغم وجود نسب مسموح بها عالميًا، إلا أن تجاوزها يزيد من الخطورة، كما أن الأمر يمتد إلى المعلبات الغذائية التي تعتمد على مواد حافظة تحتوي على النيتريت.
ارتفاع مقلق في سرطان القولون بين الشباب
توضح الدكتورة عُلا خورشيد أن أسباب انتشار بعض أنواع السرطان تعود إلى عوامل متشابكة. وبينما تلعب العوامل الوراثية دورًا محوريًا لدى الشباب تحت سن الثلاثين، تبرز العادات الغذائية غير الصحية كعامل رئيسي لدى الفئات الأكبر سنًا.

أشارت الدكتورة خورشيد إلى وجود زيادة ملحوظة في معدلات الإصابة بسرطان القولون والزائدة الدودية بين الشباب تحت سن الخمسين، لافتة إلى أن النسبة تضاعفت ثلاث مرات مقارنة بالفترات السابقة، وهو ما يُعد ظاهرة مقلقة تستدعي الانتباه.
السمنة ونمط الحياة: قنابل موقوتة
تضيف الدكتورة خورشيد أن السمنة وتراكم الدهون على الكبد يرفعان من احتمالية الإصابة بالأورام بما يصل إلى ثلاثة أضعاف. ويرتبط هذا بالنمط الغذائي غير الصحي، مثل الإفراط في تناول اللحوم الحمراء والمصنعة، مقابل قلة استهلاك الألياف والخضروات والفواكه.
السمنة كعامل خطر: تظهر الدراسات أن السمنة مسؤولة عن نحو 20% من حالات الإصابة بالأورام السرطانية، حيث ترفع من احتمالية الإصابة بأنواع مختلفة، بما فيها القولون والثدي والرحم.
الخمول البدني: تشير الأدلة إلى أن قلة الحركة وعدم ممارسة الرياضة بانتظام يضاعفان من خطر الإصابة بسرطان القولون.
طرق الطهي الضارة: الاعتماد على الشواء أو القلي في درجات حرارة مرتفعة، خاصة للحوم، يؤدي إلى تكوين مركبات ضارة تزيد من احتمالات الإصابة.
البدائل الصحية: خطوتك للوقاية
ينصح الدكتور محمد عفيفي، استشاري التغذية، بتبني البدائل الصحية:
استخدام الأواني الصحية: الاعتماد على أوانٍ زجاجية أو من الستانلس ستيل لحفظ الطعام والمشروبات الساخنة بدلاً من البلاستيك

طرق الطهي الآمنة: استخدام طرق الطهي الصحية مثل السلق أو الطهي بالبخار بدلاً من القلي المتكرر.
تقليل اللحوم المصنعة: تقليل استهلاك اللحوم المصنعة قدر الإمكان، والاتجاه إلى اللحوم الطازجة المطهية منزليًا.
النظام الغذائي المتوسطي: زيادة تناول الخضروات والفواكه والحبوب الكاملة، لما لها من دور وقائي مهم في تقليل فرص الإصابة بالأورام.
وتشدد الدكتورة خورشيد على ضرورة إجراء منظار القولون بشكل دوري للأشخاص فوق سن الخمسين، بينما توصي من لديهم تاريخ عائلي مع الأورام ببدء الفحص السنوي منذ سن العشرين لضمان الكشف المبكر.
الوقاية والوعي، على حد تعبيرها، هما "الخط الدفاعي الأول" ضد هذا المرض.