الكاتب الروائي سامح الجباس يكشف الخطب المجهولة لطه حسين
قال الكاتب والروائي والباحث سامح الجباس إن الدكتور طه حسين كان ضيفًا دائمًا في كثير من المناسبات الثقافية والسياسية، وقد ألقى في تلك المناسبات خطبًا لا تقل جمالًا ولا أهمية عن مقالاته المنشورة.

وأشار الجباس إلى أن هذه الخطب الرائعة التي ألقاها طه حسين في مصر وسوريا ولبنان وتونس والسعودية تُنشر للمرة الأولى، وقد ضمها كتاب «خطب طه حسين المجهولة».
وأوضح أن هذه الخطب أُلقيت في محافل أدبية مختلفة مثل حفل استقبال الأعضاء الجدد في مجمع اللغة العربية، ومن بينهم توفيق الحكيم ومحمود تيمور، ومنها خطب ألقاها الدكتور طه حسين في مؤتمرات أدبية كانت تُعقد في تلك الفترة مثل مؤتمر الأدباء العرب ومؤتمر تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية.

ولفت الجباس إلى أن من بينها أيضًا خطبًا ألقاها خارج مصر في مناسبات متنوعة، أما موضوعاتها ــ التي ظلت مختفية طوال أكثر من سبعين عامًا ــ فقد تنوعت بين السياسي والثقافي. وقد أثار فيها الدكتور طه حسين قضايا ساخنة وسابقة لعصرها مثل تبسيط اللغة العربية، وأهمية الشعر، ومكانة اللغة العربية، والصعوبات التي تواجه الأدباء وتُصيب بعضهم باليأس.
خطب طه حسين المجهولة
جزء من خطبة الدكتور طه حسين في استقبال الأديب محمود تيمور بمجمع اللغة العربية:
سيدي رئيس المجمع،
سيدي الزميل العزيز الجديد، إني لسعيد كل السعادة بأن أنوب عن مجمعنا في استقبالك، بعد أن أظهر أعضاؤه حرصهم على أن تكون بينهم، وعلى أن تشاركهم فيما يبذلون من جهد لصيانة اللغة العربية، والمحافظة على سلامتها، وتمكينها من أن تكون منتجة وملائمة لمقتضيات الحياة على اختلاف عصورها.
فأنت تعلم أن المجمع ليس نظامًا مقصورًا على عصر دون عصر، وإنما هو نظام خالد ما خلدت مصر. وكل واحد من أعضائه إنما استعار من خلود هذا النظام لقبه الذي عُرف به المجمعيون في فرنسا، وهو لقب "الخالد".
فنحن إنما نخلد بخلود هذا النظام الذي أُنشئ ليبقى ما بقيت مصر وما بقيت اللغة العربية. وأنت منذ اليوم قد أقبلت لتشاركنا في هذا الجهد، ولتشاركنا في تمكين هذا النظام من الإنتاج. وقد أنابني المجمع، ووكل إليّ الرئيس أن أهدي إليك لقب المجمعيين، فتصبح خالداً من الخالدين.
وصدقني – أيها الزميل العزيز – أنك لم تكن في حاجة إلى هذا الخلود المستعار، فقد اتخذت لنفسك – من جهدك وخصب ذهنك ونضج عقلك وذكاء قلبك وإنتاجك الرائع المبدع – خلودًا أبقى وأشمل وأخص من هذا الخلود الذي لا نكسبه من أنفسنا، وإنما نستعيره استعارة من عمل يبقى هو ونزول نحن.
فأما أنت، فإن الخلود الذي اكتسبته لنفسك يبقى مهما تكن الظروف، ومهما تكن الأحوال، سواء اتصلت بالمجمع أم لم تتصل به.
وأنت تعلم أن في المجمعيين شيئًا غير قليل من الفضول، وفيهم كذلك شيئًا غير قليل من هذه الخصلة التي يحبها الأقلون ويبغضها الأكثرون، وهي خصلة البحث والاستقصاء.
فليس كل الناس يحب البحث، وليس كل الناس يستطرف الاستقصاء، وإنما هي خصلة موقوفة على قوم شذوا في الحياة الاجتماعية، كرسوا أنفسهم للبحث والدرس، وللاستكشاف والتمس الحقيقة حيث تكون.
وهؤلاء من أجل ذلك يكلفون أنفسهم من الجهد ما يكلفونها، ويتعرضون لكثير من العبث وللكثير من السخرية أحيانًا. وقد امتحنت لكي تكون بين هؤلاء الناس، فاحتمل هذا الامتحان صابرًا، ولك أجر المعذبين الممتحَنين.