مصر وقطر.. التجارة تنمو 78% والاستثمارات تتجاوز 4 مليارات دولار
لم تعد العلاقات الاقتصادية بين مصر وقطر مجرد تبادل تجاري أو استثمارات متفرقة، بل تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى شراكة استراتيجية متكاملة تقودها إرادة سياسية واضحة ورؤية اقتصادية تستهدف تعظيم المصالح المشتركة، فبعد سنوات من التقلبات، نجحت القاهرة والدوحة في بناء صفحة جديدة من التعاون، مدعومة باللقاءات المتكررة بين الرئيس عبد الفتاح السيسي وأمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، والتي فتحت الباب أمام تدفقات استثمارية بمليارات الدولارات، وأعادت رسم خريطة التعاون الاقتصادي بين البلدين.
وتكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن العلاقات الاقتصادية المصرية القطرية دخلت مرحلة نمو غير مسبوقة، بعدما ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 128.4 مليون دولار خلال عام 2024 مقابل 72.1 مليون دولار في عام 2023، محققًا معدل نمو تجاوز 78%، وهو ما يعكس الزخم الكبير الذي تشهده العلاقات الاقتصادية والتجارية.
الصادرات المصرية تقود طفرة التجارة مع قطر
اللافت في أرقام التجارة الخارجية أن الصادرات المصرية كانت المحرك الرئيسي لهذا النمو، بعدما قفزت قيمتها إلى 93.4 مليون دولار خلال عام 2024، مقارنة بنحو 44.3 مليون دولار في العام السابق، وهو ما يعكس زيادة الطلب على المنتجات المصرية داخل السوق القطرية، وقدرة المصدرين المصريين على التوسع في واحدة من أهم الأسواق الخليجية.
وفي المقابل، بلغت الواردات المصرية من قطر نحو 35 مليون دولار خلال 2024، مقابل 27.8 مليون دولار في العام السابق، لتستمر العلاقات التجارية في تحقيق نمو متوازن بين الجانبين.
وتصدرت الخضروات والفاكهة قائمة الصادرات المصرية إلى قطر بقيمة بلغت 38 مليون دولار، تلتها الآلات والأجهزة الكهربائية بقيمة 8 ملايين دولار، ثم محضرات الخضر والفاكهة والكاكاو ومنتجاته بقيمة 6 ملايين دولار لكل منهما، بالإضافة إلى المحضرات الغذائية المتنوعة بقيمة 4 ملايين دولار.
أما الواردات المصرية من السوق القطرية، فتوزعت بين اللدائن ومصنوعاتها بقيمة 14 مليون دولار، والمنتجات الكيماوية المتنوعة بقيمة 7 ملايين دولار، إلى جانب الوقود والزيوت المعدنية بقيمة 5 ملايين دولار.
2025.. استمرار النمو التجاري بوتيرة متسارعة
ولم تتوقف مؤشرات النمو عند عام 2024، إذ أعلن وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، أن حجم التبادل التجاري بين البلدين ارتفع إلى 143 مليون دولار خلال الأشهر العشرة الأولى من عام 2025، بنسبة نمو تقترب من 80% مقارنة بعام 2023.
وتعكس هذه المؤشرات نجاح السياسات الاقتصادية التي تبنتها الدولتان في إزالة المعوقات أمام التجارة، وفتح المجال أمام القطاع الخاص لزيادة حجم المبادلات التجارية، خاصة مع وجود فرص كبيرة لزيادة الصادرات المصرية في قطاعات الصناعات الغذائية والدوائية ومواد البناء والهندسة.
الاستثمارات القطرية.. مليارات الدولارات لدعم الاقتصاد المصري
لا يقتصر التعاون بين القاهرة والدوحة على التجارة فقط، بل تمتد الشراكة إلى الاستثمارات المباشرة التي أصبحت أحد أهم محركات النمو الاقتصادي.
ووفقًا لبيانات البنك المركزي والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، بلغت الاستثمارات القطرية في مصر نحو 618.5 مليون دولار خلال العام المالي 2023/2024 مقابل 548.2 مليون دولار خلال العام السابق، فيما ارتفعت الاستثمارات المصرية في قطر إلى 171.5 مليون دولار مقارنة بـ 86.8 مليون دولار.
وخلال منتدى الأعمال المصري القطري في ديسمبر 2025، كشف وزير الاستثمار والتجارة الخارجية أن إجمالي الاستثمارات القطرية التراكمية داخل السوق المصرية وصل إلى نحو 3.2 مليار دولار موزعة على أكثر من 266 شركة تعمل في قطاعات الصناعة والتمويل والسياحة والعقارات والخدمات.
وتعد هذه الاستثمارات إحدى الركائز الرئيسية التي تعتمد عليها الدولة في دعم النمو الاقتصادي، خاصة مع استمرار تنفيذ برنامج الإصلاح الاقتصادي وتحسين بيئة الاستثمار.
«علم الروم».. أكبر مشروع استثماري قطري في مصر
وتبرز صفقة تطوير منطقة علم الروم بالساحل الشمالي باعتبارها أكبر مشروع استثماري قطري في السوق المصرية، بعدما وقعت شركة الديار القطرية اتفاقية شراكة مع هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لتنفيذ مشروع عمراني وسياحي متكامل باستثمارات إجمالية تصل إلى 29.7 مليار دولار.
ويمثل المشروع أحد أكبر المشروعات السياحية والعقارية في منطقة البحر المتوسط، ومن المتوقع أن يحقق إيرادات سنوية تصل إلى 1.8 مليار دولار، إلى جانب توفير مئات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة، فضلًا عن تحويل الساحل الشمالي إلى وجهة استثمارية وسياحية عالمية.
كما أعلن الرئيس عبدالفتاح السيسي وأمير قطر في أبريل 2025 عن حزمة استثمارات قطرية مباشرة بقيمة 7.5 مليار دولار تشمل قطاعات الطاقة والسياحة والصناعة والخدمات اللوجستية.
ومن أبرز هذه المشروعات أيضًا الاتفاق الذي وقعته شركة المانع القطرية لإنشاء مشروع لإنتاج وقود الطيران المستدام باستثمارات تبلغ 200 مليون دولار داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، في خطوة تعزز توجه مصر نحو الاقتصاد الأخضر والطاقة النظيفة.
قفزة قوية في تدفقات الاستثمار خلال 2026
وشهد عام 2026 تطورًا لافتًا في حجم الاستثمارات القطرية، بعدما أظهرت البيانات ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من قطر إلى 4.23 مليار دولار، مدفوعة بصفقة تطوير علم الروم، رغم تراجع إجمالي الاستثمارات العربية خلال الفترة نفسها.
ويعكس هذا الأداء الثقة الكبيرة التي توليها المؤسسات القطرية للاقتصاد المصري، خاصة في ظل الإصلاحات الحكومية المتعلقة بتسهيل إجراءات الاستثمار، وتقليص زمن إصدار التراخيص، وخفض تكاليف تأسيس الشركات، بما يعزز جاذبية السوق المصرية أمام المستثمرين.
الدبلوماسية الاقتصادية تعيد رسم خريطة العلاقات
ويرى مراقبون أن الطفرة الاقتصادية الحالية جاءت نتيجة مباشرة للدبلوماسية الاقتصادية التي انتهجتها القيادة السياسية خلال السنوات الأخيرة، والتي ركزت على تحويل العلاقات السياسية إلى شراكات اقتصادية واستثمارية طويلة الأجل.
كما تمثل تحويلات المصريين العاملين في قطر، التي بلغت 819.5 مليون دولار خلال العام المالي 2023/2024، عنصرًا مهمًا في دعم الاقتصاد المصري، إلى جانب مساهمة الاستثمارات القطرية في توفير فرص العمل وزيادة معدلات النمو.
وفي ظل مستهدفات الدولة المصرية لرفع الصادرات إلى 145 مليار دولار وجذب 42 مليار دولار من الاستثمارات الأجنبية المباشرة خلال السنوات المقبلة، تبدو الشراكة مع قطر مرشحة لتحقيق قفزات جديدة، سواء في مجالات الصناعة أو الطاقة أو التطوير العقاري أو السياحة.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن العلاقات الاقتصادية بين القاهرة والدوحة تجاوزت مرحلة التعافي، لتدخل مرحلة جديدة عنوانها الشراكة الاستراتيجية والاستثمار طويل الأجل، بما يعزز مكانة مصر كمركز إقليمي للاستثمار واللوجستيات، ويفتح أمام البلدين آفاقًا أوسع للتعاون الاقتصادي خلال السنوات المقبلة.









