البلوجر.. بضاعة أتلفها الترند وصنعتها الخوارزميات والسوق
المهندس محمد الحارثي خبير أمن المعلومات
عالم البلوجرات صناعة كاملة ومُدارة بعناية فائقةمن قِبل شبكة معقدة من المصالح التجارية والتقنية.
الدكتوز محمد محسن رمضان مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية:
عالم صناع المحتوى تحول بشكل كامل من «العفوية» إلى «صناعة محكمة» تُدار بأجندات اقتصادية وسياسية متطورة
"كل يوم بلوجر"، واقع جديد يعيشه المجتمع المصري يوميًا، بل إن الأمر أصبح أنه كل ساعة يظهر لنا بلوجر جديد بصورة مختلفة، تتفق في الصدفة وتختلف في طبيعة المشهد الذي يُثار، ليجذب حوله آلاف المشاهدات، ولكن في البداية بالتعاطف، ومن ثم يبدأ عالم التجارة والثراء والإعلانات، لتصبح «البلوجر» مهنة لمن لا مهنة له، ليطرح عدة أسئلة هامة من وراء هذا العالم؟! وهل فعلًا الصدفة وراء صنع البلوجرز أم هناك واقع آخر قائم على الصناعة؟! أسئلة كثيرة بحثت عن إجابة.
«إيجيبتك» في هذا التحقيق الصحفي، بحثت عن إجابة هذه الأسئلة، مستعرضة أبرز «بلوجرز الصدفة» وكيف أنهم من صدفة أصبحوا مشاهير ومؤثرين.
بدأت القصة مع بائع الفريسكا، مصطفى أبو سريع، الذي تحول بين ليلة وضحاها من بائع متجول على الشواطئ إلى شخصية شهيرة. ففي فيديو عابر، ظهر مصطفى وهو يبيع "الفريسكا" بأسلوب مهذب ومظهر جذاب، ليلفت الأنظار ويتحول إلى وجه إعلاني و"موديل". استُغل نجاحه السريع في حملات دعائية، مما يطرح السؤال: هل كانت الصدفة بوابة عبور مصطفى إلى عالم الأضواء المُصنّع، أم أن هناك ماكينة تسويقية وراء ذلك؟
"السمنة البلدي"
ومن أبو سريع إلى أم زياد وزوجها وطفلهما، لم تختلف الصورة كثيرًا. ظهر طفلهما، المعروف بلقب "السمنة البلدي"، بصوت مميز وعفوية لافتة، مشاركًا أسرته في محتوى يومي من قلب الريف المصري. ركز المحتوى على الطبخ والزراعة والحياة البسيطة، بجودة تصوير متواضعة في البداية. لكن، بين ليلة وضحاها، أصبح ترند "السمنة البلدي" لزمة انتشرت في الشارع المصري، وتزايد عدد المتابعين بشكل مذهل.

بدأت الإعلانات تظهر، وتحسنت جودة الإنتاج، وانتقلت الأسرة من تقديم وصفات إلى الترويج لمنتجات. هذا التحول يوضح كيف تُروّض العفوية لخدمة السوق، ليبقى السؤال: هل عالم البلوجرز مصنوع، أم أن العفوية هي السر وراء هذا النجاح؟
(5 جنيهات)
ثم جاءت فتاة الشيبسي، الطفلة هايدي محمد نسيم، لتؤكد قوة الصدفة. في مشهد مؤثر داخل سوبر ماركت، اختارت هايدي، البالغة من العمر 8 سنوات، أن تتخلى عن كيس الشيبسي لتعطي ثمنه (5 جنيهات) إلى شيخ محتاج كان يتسول خارج المتجر. سُجل المشهد بالصدفة من قبل عامل المتجر، وانتشر على وسائل التواصل كرمز للكرم التلقائي. في غضون ساعات، أصبحت هايدي حديث مصر، فمنحتها الحكومة لقب "طفلة الخير"، ودعاها الفنان تامر حسني إلى استوديو تسجيلاته. حتى أم جاسر، نجمة ترند "السمنة البلدي"، أعلنت صلة قرابة بها، مضيفة طبقة عائلية إلى القصة.

اليوم، دخلت هايدي عالم البلوجرز رسميًا، مع صفحة تيك توك تتجاوز المليون متابع، ودعوات للإعلان عن منتجات غذائية. وعلى الرغم من تحذير والدها في تصريح إعلامي: «الشهرة جاءت بالصدفة، لكننا نخاف عليها من عالم السوشيال السريع»، إلا أن الصدفة هنا لم تكن مجرد لحظة، بل بوابة لتعليم القيم، حيث تحولت قصة طفلة بسيطة إلى حملة إعلامية وطنية.
محتوى زراعي
وإلى عم سيد، الذي اشتهر بترند "الفراخ البلدي". بائع دواجن من الريف، ظهر في فيديو يشرح بأسلوب فكاهي الفرق بين الفراخ البيضاء والبلدي، لينتشر الفيديو بشكل غير متوقع. بعدها، بدأ عم سيد في تقديم محتوى زراعي وتثقيفي، مؤكدًا أن الصدفة قد تكون نقطة البداية، لكن الاستمرارية هي التي تبني النجاح.
ومن هذه الأمثلة، يظل الأمر مستمرًا، والنماذج لا تنتهي. اليوم، يشهد واقعنا ظهور عشرات البلوجرز يوميًا، ليبقى السؤال قائمًا: هل الصدفة هي التي تصنع النجوم، أم أن هناك صناعة محكمة تحول هذه اللحظات العفوية إلى إمبراطوريات رقمية؟
ومن هذه الأمثله يظل الأمر مستمر والنماذج لا تنتهي ففي النهايه فاليوم الواحد في واقعنا الحالي أصبح يظهر لنا عشرات البلوجرات
«الهندسة الاجتماعية»
فيقول د. محمد محسن رمضان، مستشار الأمن السيبراني ومكافحة الجرائم الإلكترونية، ورئيس وحدة الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني بمركز العرب للأبحاث والدراسات: «إن ’البلوجر‘ أو ’صانع المحتوى‘ أصبح اليوم لاعبًا رئيسيًا في الفضاء الرقمي، حيث يتأثر ملايين المتابعين بمحتواهم يوميًا، من الموضة والجمال، مرورًا بالطبخ والسفر، وحتى قضايا الرأي العام. لكن خلف هذا البريق، يظل السؤال: هل عالم البلوجرز وليد الصدفة، أم صناعة محكمة تُدار بخوارزميات ومصالح؟!

ويضيف أنه في العقد الأول من انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، ظهر العديد من البلوجرز بشكل عفوي. فتاة تشارك تجربتها مع وصفة جديدة، شاب يوثق رحلة سفره، أو أم تسرد يومياتها مع أطفالها، فجأة يجد هؤلاء أنفسهم أمام آلاف المتابعين، ومن هنا تبدأ ’القصة الرقمية‘. العفوية كانت عنصر الجذب الأساسي، حيث كان الجمهور يرى في البلوجر ’شخصًا عاديًا مثله‘ يشارك تجارب صادقة، بعيدًا عن التكلف الإعلامي
ويؤكد خبير الأمن السيبراني أن عالم صناع المحتوى تحول بشكل كامل من «العفوية» إلى «صناعة محكمة» تُدار بأجندات اقتصادية وسياسية متطورة، تستهدف «الهندسة الاجتماعية» للتحكم في وعي الجمهور.، وأن الفضاء الرقمي لم يعد ساحة عشوائية، بل ماكينة منظمة تديرها مصالح كبرى، حيث أصبحت الشهرة الرقمية قرارًا برمجيًا أكثر من كونها نتيجة جهد حقيقي أو صدفة.
ويشير إلى أن مرحلة البدايات العفوية انتهت تقريبًا، موضحًا أن صعود البلوجر اليوم يخضع لمعادلة دقيقة تتضمن: سيطرة الخوارزميات، حيث تتحكم المنصات الكبرى مثل تيك توك وإنستغرام بما يظهر للمستخدمين، تبرز محتوى وتدفن آخر، ما يعني أن "النجومية تُصنع بقرار برمجي" بالإضافة إلى التمويل المباشر، إذ لم يعد الانتشار وليد الصدفة، بل يتم دفع محتوى معين بمبالغ ضخمة عبر الإعلانات الممولة، لتحويل البلوجر إلى «براند» متكامل يُدار بواسطة شركات تسويق متخصصة، وأخيرا الهدف التقني والاقتصادي، حيث الهدف ليس فقط بيع المنتجات، بل خلق «بيانات ضخمة» عن المستخدمين عبر تتبع تفاعلاتهم، وهو ما يغذي صناعة الإعلانات الموجهة شديدة الدقة.
وويشدد رمضان على أن خطورة البلوجرز تكمن في تحولهم إلى أداة للهندسة الاجتماعية، موضحًا: «الرسائل التي يمررها البلوجرز لا تُستقبل بعين الشك، بل تُتلقى على أنها ’تجربة شخصية‘ صادقة، وهذا ما يجعلهم أكثر قدرة على التلاعب بالعقول وتشكيل الرأي العام من أي حملة إعلانية تقليدية». وأضاف أن الأطراف المتحكمة في المشهد لا تقتصر على وكالات العلاقات العامة والتسويق، بل تمتد لتشمل جهات سياسية في بعض الحالات، حيث يتم توجيه البلوجرز لنشر رسائل ذات طابع سياسي أو اجتماعي، بما يخدم أجندات معينة.
ويحذر من الأضرار الخطيرة لهذه الصناعة، و التي من أبرزها: تزييف الوعي، من خلال تضخيم أنماط حياة مثالية زائفة لا تعكس الواقع، مما يخلق «وعيًا زائفًا» ويدفع الشباب إلى مقارنة دائمة بـ«حياة الإنستغرام» التي لا وجود لها بالإضافة إلى وجود مخاطر الأمنية، فمشاركة البلوجرز لتفاصيل حياتهم قد تجعلهم والمتابعين عرضة للاختراق أو الابتزاز الإلكتروني، لاسيما عند الترويج لمنتجات أو أفكار قد تكون مضرة، ناهيك عن السطحية والاستغلال، من خلال التركيز على التريندات السريعة على حساب القضايا الجادة، وتحول البلوجر إلى «مجرد أداة دعائية» بلا رسالة حقيقية.
ويختتم خبير أمن المعلومات حديثه بالتأكيد: «هذا العالم صناعة ضخمة تُدار بكيانات ومنظومة مالية وتقنية منظمة، هدفها الأساسي إدارة وعي الجمهور. وتظل الكرة في ملعبنا كجمهور: هل ندرك ما وراء الكواليس، أم أننا ما زلنا نرى في البلوجر مجرد ’شخص عادي‘ يشارك يومياته؟».
العامل الحاسم
يؤكد المهندس محمد الحارثي خبير أمن المعلومات، أن عالم البلوجرات وصناع المحتوى ليس مساحة عشوائية أو صدفة، بل هو "صناعة كاملة ومُدارة بعناية فائقة" من قِبل شبكة معقدة من المصالح التجارية والتقنية.

ويضيف أن صعود وانهيار رموز السوشيال ميديا يتم التحكم فيه من خلال عوامل تتجاوز الإرادة الفردية للبلوجر نفسه.
ويشير إلى أن الرؤية القائلة بأن البلوجر مجرد شخص يشارك يومياته أصبحت غير دقيقة. فالمشهد الحالي يخضع لإشراف صارم من قِبل عدة أطراف رئيسية وهي المنصات الرقمية و التي تسعى بشكل أساسي للسيطرة على وقت المستخدم وزيادة التفاعل لضمان تدفق الأرباح، بالإضافة إلى الخوارزميات الذكية: التي تعمل كـ "فلتر" تقرر من يظهر ومن يختفي، وتضمن تحويل الشخص العادي إلى "ترند" في وقت قياسي بناءً على معاييرها، وأخيراً شركات التسويق والإعلان: التي تستغل المحتوى لبيع المنتجات والخدمات، وتخصص فِرقاً كاملة لصناعة رموز جديدة قادرة على جذب الجمهور.
ويوضح أن الهدف الأساسي من صناعة هذا العالم تجاري بحت؛ حيث يرتبط كل مشاهدة وكل تفاعل بعائد اقتصادي هائل يصب في مصلحة المنصات والجهات الإعلانية، مما يحوّل أغلب البلوجرز إلى أدوات اقتصادية مؤثرة وسوق ضخم قائم بذاته.
ويكمل الحارثي أن عالم البلوجر صناعة كغيره من الصناعات به فوائد وأضرار خبير أمن ويحتوي على جوانب إيجابية ومن أبرز الفوائد هو ان هذا العالم يتيح فرص للتعبير، وتقديم محتوى متنوع، وتحقيق دخل لفئات جديدة.
أما عن الأضرار فيوضح أنها الأكثر خطورة وتأثيراً على النسيج الاجتماعي والوعي العام لأنها تتسبب في تزييف الوعي: عبر عرض حياة مثالية غير واقعية تؤثر سلباً على نفسية الشباب وتولّد لديهم شعوراً دائماً بالنقص بالاضافة إلى أنها تؤدي إلى الترويج الضار: نشر منتجات أو أفكار قد تكون مضرة صحياً أو اجتماعياً، وذلك لمجرد تحقيق مكاسب مادية سريعة ناهيك علي أنها تتسبب في الاستهلاك العاطفي عن طريق تحويل العلاقات الإنسانية والتفاعلات اليومية إلى سباق محموم على المشاهدات و"اللايكات"، مما يفرغها من محتواها الحقيقي.
ويختتم الحارثي حديثه قائلا" أن الجمهور يظل هو العامل الحاسم في هذه المعادلة، فبمتابعته ومشاركته، يساهم الجمهور بشكل لا واعٍ في تكبير البلوجر وترسيخ وجوده الاقتصادي. إن عالم البلوجرات هو صناعة متكاملة يقودها مزيج من الخوارزميات ورغبة السوق، والجمهور هو من يملك القوة النهائية في تقرير من ينمو ومن يختفي".