ليس أخطر ما يواجه الأوطان أن تختلف حولها الآراء، بل أن يصبح الضجيج أعلى من الحقيقة، وأن تتقدم الانطباعات على الوقائع، وأن يحكم الناس على أوطانهم من خلف الشاشات، لا من قلب الميدان
أعترف أنني، كغيري، كنت أستمع إلى كثير مما يُقال. أخبار تتلاحق، وتعليقات لا تنتهي، وصور متناقضة لوطن واحد. ومع كثرة الضجيج، يتسلل الشك إلى النفس دون أن نشعر، ويصبح السؤال أكثر حضورًا من الإجابة
لم أكن أقصد أكثر من حضور مباراة للمنتخب المصري في العاصمة الإدارية الجديدة، وقد ذهبت متردده مما سألاقيه حتما من سوء تنظيم وصحراء جرداء لايوجد بها شئ علي الإطلاق !!!!
لكنني عدت وقد شاهدت ما هو أكبر من مباراة، وأعمق من نتيجة، وأبقى من احتفال
منذ اللحظة الأولى، لفت مشروع المونوريل انتباهي النظام، والنظافة، والتكنولوجيا، ودقة التفاصيل. لم يكن المكان يستعرض نفسه، بل كان يؤدي وظيفته في هدوء وثقة، وهي اللغة التي لا تحتاج إلى مترجم.
انجاز ضخم عظيم يقدم خدمه راقيه ومحترمه تليق بالإنسان المصري
لكن المشهد الحقيقي كان خارج نوافذ المونوريل
على امتداد الطريق، كانت هناك حكاية أخرى تُكتب.
رأيت رجالًا لا يعرف معظمنا أسماءهم. عمالًا أنهكت الشمس وجوههم، ومهندسين يتنقلون بين المواقع، وفنيين يواصلون عملهم بصبر ودقة. لم تكن هناك كاميرات تلاحقهم، ولا منصات تمنحهم التصفيق الذي يستحقونه، ومع ذلك كانوا يعملون بإخلاص لا يعرف الضجيج..
ولا تصنعهم الشعارات، بل تصنعها ضمائر قررت أن تؤدي واجبها، ثم تمضي في صمت.
كل مبنى رأيته، وكل طريق، وكل شجرة، وكل تفصيلة صغيرة، كانت تقول إن وراء هذا المشهد سنوات من التخطيط، وآلاف الساعات من العمل، وأجيالًا آمنت بأن المستقبل لا يأتي صدفة، بل يُصنع. ويبني بالعلم والعمل
وحين وصلت إلى العاصمة الإدارية الجديدة، فهمت أن بعض الإنجازات لا ينبغي أن تُدرك بالكلمات، بل بالتجربة.
شوارع تتحدث بلغة الانضباط.
مساحات خضراء تمنح المكان روحه.
شوارع تعرف وجهتها.
تفاصيل صغيرة، لكنها تقول إن هناك عقلًا خطط، وأيدٍ نفذت، وإرادة أصرت ألا تغادر مكانها قبل أن تكتمل الصوره ،،،
وصلنا الي المكان المخصص لمشاهده المباراه وسط هذا الانبهار الشديد والسعاده و الثقه في بلدي العظيمه …
وعلي الشاشه الضخمه العملاقه كان أحد عشر لاعبًا يدافعون عن حلم الملايين.
وخارج الملعب، كان آلاف آخرون قد دافعوا عن الحلم نفسه بطريقة مختلفة؛ عامل صب الخرسانة، والمهندس الذي راجع المخططات، والفني الذي اختبر الأنظمة، والجندي الذي أمّن المكان، وكل من آمن بأن النجاح لا يولد في لحظة إطلاق صافرة البداية، بل في سنوات طويلة من العمل الصامت.
حين أطلق الحكم صافرة النهاية معلنًا فوز المنتخب، شعرت أن الانتصار لم يكن محصورًا في نتيجة مباراة.
بل كان انتصارًا لفكرة.
أن العمل، مهما طال الطريق إليه، لا يخون أصحابه.
خرجت من العاصمة الإدارية وأنا أحمل يقينًا
بأن أخطر ما يمكن أن يُصيب الأمم ليس الفقر، ولا قلة الموارد، بل أن تفقد ثقتها في نفسها.
وما رأيته في ذلك اليوم أعاد إليَّ شيئًا كنت أخشى أن أفقده وسط ضجيج الأخبار المسيءه احيانا والمضللة أحيانا اخري عدت وانا امتلئ فخرا وثقه في بلدي وان الغد مشرق دائما!
