كلما سمعت الآذان أشعر بحنين غريب إلى مالطه لا لأنني أحبها أو لأننى شغوف بالسفر إليها ولكن لكون مالطه هذه ضرب بها المثل العامى ( يؤذن فى مالطه)، والحقيقة إن ارتباطى بهذا المثل يرجع الفضل فيه إلى أستاذى الذى علمنى ويصح ويحق أن أكون له عبدًا لما تركه فى نفسى وعقلى من آثار طيبة إنه الأستاذ الدكتور عبد الصبور شاهين، رحمة اللّٰه عليه هذا العالم الجليل الذى درسنا علم اللغة بكلية دار العلوم.
وفى إحدى المحاضرات، وكان ذلك منذ خمسة وعشرين عامًا أو يزيد قليلًا، تطّرق وتكلم وقتها عن المثل المشهور أنه يؤذن فى مالطه، قائلًا أنه ذهب إلى مالطه وصعد إلى قمه عالية يعتاد السائحون الصعود إليها، وأخذ يؤذن وسط جمع هائل من الناس وإذا به يفاجأ بعدم التفات أحد إليه بل ولم يعره أحد أى إهتمام نهائيًا.
فقال المؤذن، وقتها ربما لعدم وجود لغه مشتركة أم لأن الموضوع لا يخصهم أو لا هذا ولا ذاك وإنما لكل إنسان حريته وحرية التصرف فيما يخصه دون تدخل من أحد من الآخرين وكلها أمور يقبلها العقل.
وبعد هذه السنين الطويله من معرفة أصل المثل أفقت على حقيقة الواقعة وخاصة وإننا فى هذه الأيام نشعر وكأننا نؤذن فى مالطه فيما نراه فى عصرنا من الواقع المرير للمسلمين، لأن الآذان الذى هو إعلان بالإقبال على اللّه بالصلاة لابد وأن يعرف قدره السامعون، وهو ما لم يحدثه الدكتور فى مالطه، ثانيًا لغة الحوار بين الداعى والمدعو ولابد من أن تتلائم وتتوافق بينهما وهذا ما يتحقق غالبًا هذه الأيام بين الدعاة الجدد إلى الدين والناس حيث سادت دعوتهم لغة الإجبار والترهيب والخضوع.
تلك اللغة التى يتبعها الكثير من الدعاة المحدثين - إلا من رحم ربى - دون تقديم قناعات حقيقية للدعوة ناشئة عن وعى وإدراك صادق منهم يتفق مع مبادىء الدين الحق لذلك نجد الكثير من الناس مع هذه الدعوة يكسل عن صلاة الجمعة مثلًا لا لعيب فيهم وإنما هو إعراض عن داعية يفتقر إلى لغة الحوار فى الدين التى يصل بها إليه ناهيك عن تلك التى يتواصل بها معه ومن هنا تذبهت إلى أن كثيرًا من هؤلاء الدعاة الجدد ممن لا يحسنون صنعًا فى الدعوة ولا يجتهدون ولا يعطون عملهم الدعوي حقه من الإجتهاد والجد ابتغاء مرضاة اللّٰه لا مرضاة أحد سواه سبحانه لا ابتغاء لمرتب أو وظيفة.
