رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يتمثل الفارق الجوهري بين روايات محمد سلماوي ويوسف القعيد في "المنطلق المكاني" و"الأسلوب السردي"، حيث تركز أعمال سلماوي على الرواية المدينية والنخبوية، وغالبا (القاهرة) والطبقات المثقفة أو البرجوازية. وهو يمزج بين السياسة والفلسفة، وتغلب على نصوصه مسحة رمزية وفكرية عميقة (كما في "أجنحة الفراشة")، مع اهتمام واضح بجدلية الموت والذاكرة. ولغته أدبية تميل إلى الأناقة الكلاسيكية بحكم تكوينه المسرحي والصحفي، وتتميز بالبناء المحكم. 

أما يوسف القعيد (1944) فهو يميل إلى رواية الريف المصري، وتدور معظم أحداث رواياته في القرية، وعن هموم الفلاحين (كما في "الحرب في بر مصر"). ويركز على النقد الاجتماعي والسياسي المباشر، والاشتباك مع التحولات الكبرى التي طرأت على المجتمع المصري بعد ثورة يوليو 1952. وتميل لغته إلى التجريب السردي (السرد البوليفوني / تعدد الأصوات) واستخدام لغة تقترب من الواقعية التي تعرِّي أحيانًا الفساد والبيروقراطية. 

وفي حين يكتب سلماوي عن "أزمة المثقف داخل المدينة"، يكتب القعيد عن "أزمة الإنسان داخل القرية والمنظومة السياسية".

وبالمقارنة بين روايتي "أجنحة الفراشة" لمحمد سلماوي و"الحرب في بر مصر" ليوسف القعيد، نجد تجسيدًا واضحًا للفوارق الجوهرية في الرؤية والسرد.

تصنّف "أجنحة الفراشة" كـ "رواية نبوءة"؛ حيث استشرفت حراكًا شعبيًّا يغير وجه مصر قبل وقوع ثورة يناير بفترة وجيزة. وتركز على التغيرات الناتجة عن التكنولوجيا ومواقع التواصل وتأثيرها في تحريك الجماهير المدنية نحو الحرية.

أما "الحرب في بر مصر" فتركز على "تعرية الواقع" في أعقاب حرب أكتوبر 1973. إنها صرخة ضد الفساد والبيروقراطية، حيث يستغل العمدة نفوذه ليرسل ابن خفيره الفقير "مصري" للحرب بدلاً من ابنه، مما يُبرز الصراع الطبقي الصارخ بين "الأكابر" والمهمشين. 

تعتمد أجنحة الفراشة" على الرموز البشرية (مثل شخصية ضحى وأيمن) التي تحمل دلالات سياسية وفكرية حول البحث عن الذات والخلاص الوطني في إطار مدني محكم.

أما "الحرب في بر مصر" فتعتمد على النمط البوليفوني، وتستخدم تقنية تعدد الأصوات (السرد البوليفوني)؛ فتُحكى القصة من وجهات نظر متعددة (العمدة، السمسار، الأب، الضابط)، بينما يظل البطل الحقيقي "مصري" صامتًا تمامًا، وهو صمتٌ يرمز لغياب صوت الطبقة المسحوقة. 

المدينة والمثقف عند سلماوي هما مسرح الأحداث؛ القاهرة وصالوناتها السياسية وحراكها الرقمي. والبطل غالبًا مثقف أو شخصية تبحث عن التغيير من داخل بنية الدولة الحديثة، ويشير الطبيب المصري المثقف عمر المهدي الذي استشهد في "غزة" في رواية "السماء الثامنة" إلى ذلك أيضًا.

أما رواية القعيد، فتنطلق أحداثها من عمق الريف المصري. البطل هو "الفلاح" الذي يُسلب حقه حتى في هويته واسمه لصالح "ابن العمدة". 

نخلص إلى أنه بينما يقدم سلماوي في "أجنحة الفراشة" رؤية تفاؤلية استشرافية للتغيير عبر القوى الناعمة والشباب، يقدم القعيد في "الحرب في برّ مصر" رؤية تراجيدية نقدية تعكس قسوة الواقع والظلم الاجتماعي.

لقد استطاع يوسف القعيد خلق التشويق لدى القارئ وفتح شهيته على عالم الحكاية من خلال المشهد، كما نجد ذلك في وصفه للمتعهد.

أما في "أجنحة الفراشة" فضحى ليست الرمز الوحيد - في الرواية - الذي يبحث عن ذاته، فهناك أيمن الذي أُقنِع من طفولته أن أمَّه توفيت، فينقب الأرض بحثاً عنها.

تقوم الشخصية النسائية عند الكاتبين بدور "المحرِّك الدرامي"، لكن مع اختلاف جذري في التكوين والهدف، فضحى في أجنحة الفراشة، هي النموذج العصري المثقف المستقل الذي يمثل "وعي الثورة"؛ وهي الشخصية التي تتحرر من قيود زواجها التقليدي وركود حياتها بالتزامن مع تحرر المجتمع. إن المرأة هنا هي المعادل الفكري للوطن الذي يرفض الوصاية ويبحث عن مستقبله الخاص؛ فهي فاعلة، مؤثرة، وتتحرك في فضاءات عامة (العمل، المظاهرات، الصالونات).

أما نموذج المرأة " في الحرب في بر مصر، فهي "أم مصري" المرأة الريفية، المقهورة، والصابرة. إنها تمثل "الفاجعة الصامتة"؛ وهي التي تكتشف الخديعة، وتحاول استرداد جثة ابنها، لكن صوتها يضيع وسط جبروت العمدة والسلطة. إنها تجسيدٌ لـ "الأرض" التي تُسلب خيراتها ويُضحى بأبنائها؛ دورها عاطفي ووجودي مرتبط بالبقاء والحزن، وتتحرك في فضاءات ضيقة (البيت، الحقل، مكتب العمدة).

ويتمثل الفارق الجوهري بين المرأتين في التناول، فعند سلماوي، المرأة هي أداة التغيير وصانعة المستقبل؛ تبدأ الرواية وهي تابعة وتنتهي وهي قائدة. أما عند القعيد، فالمرأة هي ضحية النظام وحاملة الأحزان؛ وجودها يبرز بشاعة الظلم الاجتماعي الذي يقع على الطبقات الفقيرة.

لا شك أن أسلوب الكاتبين تأثر بخلفيتهما الصحفية بشكل جعل رواياتهما تتسم بـ "المعاصَرة"، لكن لكل منهما بصمته المعاصِرة الخاصة، فتأثير جريدة الأهرام "إيبدو" – التي تصدر بالفرنسية منذ عام 1994 - يبدو على سلماوي بحكم رئاسته لتحريرها – عددًا من السنوات - فتغلبت على أسلوبه الدقة الشديدة والاختزال. أما التحقيق الروائي والذي يشبه "التحقيق الصحفي الاستقصائي" عند القعيد فيبدو في عمق الرواية، حيث يرصد الظواهر السياسية بحيادية وموضوعية، مع لغة تخلو من الزخرف الزائد، مما يسهل ترجمتها عالميًّا.

إن سلماوي يكتب بروح الصحفي الذي يمتلك "الرؤية الشاملة" أو البانورامية (Panorama)، حيث يربط بين المحلي والدولي. بينما يظهر تأثير مجلة "المصور" و"دار الهلال العريقة" على أسلوب القعيد، فهو (الصحفي المشاغب والميداني) الذي تميز أسلوبه بـ "النفس السردي الطويل" والاهتمام بالتفاصيل اليومية الدقيقة (الريبورتاج). وهو يستخدم العناوين الصادمة واللغة القوية التي تشبه "المانشيتات" الصحفية لتعرية الفساد، ويمزج بين لغة التقارير الرسمية (محاضر الشرطة، الخطابات الحكومية) وبين السرد الروائي. إنه يكتب بروح الصحفي الذي يمتلك "العدسة المقربة" (Zoom)، حيث يغوص في تفاصيل حياة المهمشين والبيروقراطية المصرية المعقدة.

إن الصحافة عند سلماوي أنتجت رواية "فكرية منظمة"، بينما أنتجت عند القعيد رواية "واقعية صادمة".

وتضعنا المقارنة بين نهايات أعمال سلماوي والقعيد أمام رؤيتين متناقضتين لمستقبل المجتمع المصري، وتكشف بوضوح عن هوية كل منهما الأدبية.

حيث تميل نهايات سلماوي إلى أن تكون مفتوحة على الأمل أو التغيير الإيجابي. في "أجنحة الفراشة"، تنتهي الرواية بمشهد يجمع بين الخلاص الشخصي (للبطلة ضحى) والخلاص الوطني (بداية الحراك الشعبي). إن سلماوي يؤمن بأن الوعي يؤدي حتمًا إلى الفعل. لذا، فإن النهاية لديه هي "بداية جديدة"، حيث يتحطم الجمود السياسي والاجتماعي أمام إرادة التغيير، فيشعر القارئ بحالة من "التفاؤل العقلاني"، وكأن الأديب يمنح صكَّ عبور نحو المستقبل.

أما نهايات يوسف القعيد فهي "سوداوية الواقع والعدم"، وغالباً ما تكون صادمة ومغلقة. حيث نجد أنه في "الحرب في بر مصر"، تنتهي الحكاية بموت "مصري" (الفلاح الفقير) وضياع دمه بين الأوراق الرسمية، بينما يظل الجاني (العمدة) طليقًا ومنتصرًا. ويعتقد القعيد أن الفساد المؤسسي والاجتماعي متجذرٌ لدرجة يصعب معها الانتصار الفردي. وتكون النهاية لديه "صرخة احتجاج" تهدف إلى استفزاز القارئ وتدفعه للتفكير في بشاعة الواقع، لا لطمأنته. إنه يترك القارئ في حالة من الصدمة أو الحزن الغاضب، وهو ما يخدم هدفه في التعرية الاجتماعية.

وقد اختلف النقاد في أي منهما – سلماوي والقعيد - الأكثر تعبيرًا عن "الهوية المصرية" من خلال أعمالهما؟ وانقسمت الآراء إلى مدرستين: مدرسة الواقعية (مع القعيد) ونقادها يرون أن يوسف القعيد هو الأصدق تعبيرًا عن الهويّة لأنه غاص في "طين" الأرض المصرية، ونقل لغة ومظالم الطبقة الأعرض (الفلاحين)، وصوَّر الدولة العميقة والبيروقراطية ببراعة. بينما مدرسة الحداثة (مع سلماوي) ونقادها يرون أن محمد سلماوي يعبر عن "مصر الحديثة"؛ مصر التي تطمح للتحضر والديمقراطية، ويعكس هوية المثقف المصري المنفتح على العالم، معتبرًا أن الهوية ليست فقط في الريف بل في قلب التحولات المدنية أيضًا.

ونخلص من ذلك إلى أن القعيد يعبر عن "أصل الهوية" وجذورها المتمثلة في الأرض والمعاناة، بينما يعبر سلماوي عن "آفاق الهوية" وتطلعاتها نحو التغيير والحداثة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء