ليست كل القوانين المرفوضة هي التي لم ولن تصدر، فبعضها يظل سنوات داخل الأدراج، لكنه يكشف عن طريقة تفكير قد تعود في أي وقت إذا تهيأت لها الظروف. ولهذا فإن قراءة ما طُرح من أفكار حول تطوير التعليم العالي لا تقل أهمية عن متابعة ما يصدر بالفعل من تشريعات.
منذ سنوات، أثارت مسودة متداولة لتعديل قانون تنظيم الجامعات عام ٢٠١٦ جدلًا واسعًا، بعدما تضمنت نقل عضو هيئة التدريس إلى وظيفة إدارية إذا لم يترق خلال مدة معينة. ورغم أن تلك المسودة لم تتحول إلى قانون، فإن السؤال الذي أثارته لا يزال قائمًا: هل ما زالت هذه الفلسفة مطروحة بصورة أو بأخرى خصوصا ما صرح به في مقال لأحد صحفي التعليم يستنكر عدم ترقى بعض الهيئة التدريسية؟
وإذا كانت الإجابة نعم، فما أثرها على مستقبل الجامعة المصرية؟
هذه ليست قضية تخص عضو هيئة التدريس وحده، بل قضية تخص الدولة نفسها. فالجامعة الحكومية هي المؤسسة التي أعدت معظم الكفاءات العلمية التي يعمل بها التعليم العالي في مصر، وأي سياسة تؤدي إلى خروج جزء من هذه الكفاءات من المسار الأكاديمي لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد إجراء إداري، وإنما باعتبارها قرارًا يمس مستقبل المؤسسة الجامعية، فهيئات التدريس تختلف عن الموظفيين.
الأمر يزداد أهمية إذا وضعناه في سياق التطورات التي شهدها التعليم العالي خلال السنوات الأخيرة، وعلى رأسها التوسع الكبير في الجامعات الأهلية والخاصة. فهذا التوسع يمثل إضافة مهمة إذا كان مكملًا للجامعات الحكومية، لكنه يفرض في الوقت نفسه ضرورة الحفاظ على قوة الجامعات الحكومية، لأنها ما زالت المصدر الرئيسي لإعداد أعضاء هيئة التدريس، خصوصا ان قانون الحامعات الخاصة والأهلية لم يفرض عليهم وجود كوادر تدريسية خاصة بهم، ما جعلهم يعتمدون على الانتدابات والإعارات بتفريغ الجامعات الحكومية من كفاءاتها. وخصوصا لو علمنا ان بعضهم يفضل انتداب درجة علمية أقل من أستاذ لتوفير الرواتب.
ومن هنا يصبح من المشروع أن نتساءل: هل تتجه السياسات إلى تقوية الجامعات الحكومية باعتبارها العمود الفقري لمنظومة التعليم العالي، أم أن هناك إجراءات قد تؤدي – ولو بصورة غير مقصودة – إلى إضعاف قدرتها على الاحتفاظ بكفاءاتها؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس خروج عضو هيئة تدريس بعينه من المنظومة، وإنما أن تتحول الجامعة الحكومية تدريجيًا إلى جهة لإعداد الكفاءات، بينما تنتقل خبراتها إلى جهات أخرى. فالجامعات لا تُقاس بالمباني، وإنما بالعقول التي تعمل فيها.
ولهذا فإن تطوير التشريعات يجب أن يسبقه سؤال أكثر أهمية: من يصنع هذه التشريعات؟ وما هي أهدافها؟ وأين الشفافية في عرضها ومناقشتها على الفئة التي ستطبق عليها ؟ وهل توجد ضمانات كافية تضمن أن تكون السياسات العامة للتعليم العالي بعيدة عن أي شبهة لتعارض المصالح ؟
هذا السؤال لا يستهدف التشكيك في نزاهة أحد، وإنما يتعلق بمبدأ مؤسسي معمول به في كثير من الدول، وهو أن الثقة في القرار العام لا تتحقق فقط بنزاهة من يصدره، وإنما أيضًا بوجود قواعد تمنع أي احتمال لتعارض المصالح.
ولهذا قد يكون من المناسب أن يفتح حوار حول وضع ضوابط تنظم انتقال كبار المسؤولين وصناع القرار في وزارة التعليم العالي والمجلس الأعلى للجامعات إلى المناصب التنفيذية أو عضوية مجالس الأمناء أو مجالس الإدارة في الجامعات الخاصة والأهلية بعد انتهاء خدمتهم، من خلال فترة انتقالية مناسبة، على غرار ما يُطبق في عدد من الدول بالنسبة للمناصب العامة الحساسة. فمثل هذه القواعد لا تعني التشكيك في أحد، بل تحمي صانع القرار قبل غيره، وتحافظ على ثقة المجتمع الأكاديمي في أن التشريعات والسياسات تُصاغ للمصلحة العامة وحدها، بعيدًا عن أي مصلحة مستقبلية محتملة أو أي انطباع قد يثير الشك في حياد القرار.
فإذا شعر أعضاء المجتمع الجامعي أن من يضع القواعد قد يصبح لاحقًا مستفيدًا منها، حتى وإن لم يحدث ذلك فعليًا، فإن مجرد ظهور هذا الانطباع يضر بثقة الناس في منظومة التشريع. أما عندما تكون قواعد الحوكمة والشفافية واضحة، فإنها تحمي صانع القرار كما تحمي المؤسسة، وتغلق الباب أمام أي تشكيك في نزاهة القرارات.
وقبل كل ما سبق، لابد ان يؤخذ رأي المؤتمرات العلمية حول اي تعديل في قانونهم ولا يصح ان يصدر اي قانون جديد بشكل فوقي بمعزل عنهم.
ومن زاوية أخرى، فإن أي حديث عن تشديد شروط الاستمرار كهيئة التدريس لا يمكن فصله عن الواقع الاقتصادي الذي يعيشه عضو هيئة التدريس. فحين تصبح الترقية هي الطريق شبه الوحيد لتحسين الدخل، يفقد نظام الترقي جزءًا من فلسفته العلمية، ويتحول تدريجيًا إلى ضرورة معيشية. وعندئذٍ لا يعود السعي إلى الدرجة العلمية مدفوعًا فقط بالرغبة في التقدم الأكاديمي، بل أيضًا بالحاجة إلى مواجهة أعباء الحياة.
وتؤكد التجربة العملية ذلك؛ فعدد كبير من الأساتذة يواصلون العمل بعد بلوغ سن التقاعد من خلال نظام الأستاذ المتفرغ، ليس تمسكًا بالمنصب، وإنما لأن المعاش وحده لا يوفر مستوى المعيشة اللائق بمن قضى عمره في خدمة الجامعة. وقد أحسن المشرع عندما أتاح الاستفادة من هذه الخبرات وعدم التفريط فيها، لكن هذه الحقيقة تطرح سؤالًا أوسع: إذا كانت المنظومة اعترفت عمليًا بأن الدخل بعد التقاعد يحتاج إلى دعم، فلماذا يظل تحسين الوضع المعيشي لعضو هيئة التدريس خلال سنوات خدمته مرتبطًا في الأساس بالحصول على الترقية؟
إن ربط الاستقرار الاقتصادي بالترقيات يحمّل منظومة الترقي ما لا تحتمله. فالترقية يجب أن تبقى أداة لقياس التطور العلمي والمهني، ولا وسيلة لتعويض ضعف الأجور. أما الراتب، فهو المقابل الطبيعي للقيام بالواجبات التي ألزم بها القانون عضو هيئة التدريس في التدريس والبحث العلمي وخدمة الجامعة والمجتمع، ثلاثة مهام لكل منهما أهميته التي لابد ان تقاس في الترقي عكس ما يخدث الآن من اهتمام بالكم البحثي فقط.
فلابد ان تقيس الترقية كافة المهام التي نص عليها القانون لا ان تتحول الجامعات لمصانع أبحاث مصير بعضها أرفف المكتبات.
والخلط بين الأمرين يخلق ضغوطًا لا تخدم جودة التعليم ولا جودة البحث، ويجعل أي نقاش حول تشديد شروط الترقية أو البقاء في الوظيفة يثير قلقًا مشروعًا، وعدم استقرار داخل المجتمع الجامعي، وينذر بمزيد من التسرب الوظيفى والعزوف والتسرب من المهنة نتيجة الضغوط المتزايدة وعدم الاستقرار الذى أصبح من متلازمات تلك المهنة خصوصا مع ضعف الرواتب.
إن إصلاح التعليم العالي لا يتحقق فقط بإصدار قوانين جديدة، بل بإرساء قواعد مستقرة للحوكمة والشفافية والعدالة في الأجور والمكافئات، وتوازن حقيقي بين مختلف أنماط الجامعات، وحماية الجامعات الحكومية باعتبارها الأصل الذي خرجت منه معظم الكفاءات العلمية في مصر.
فالجامعات القوية لا تُبنى بالقرارات وحدها، وإنما تُبنى بالثقة. والثقة تبدأ عندما يطمئن الجميع إلى أن التشريع يصنعه من لا مصلحة له إلا مصلحة التعليم، وأن مستقبل الجامعة المصرية يُرسم وفق رؤية وطنية طويلة المدى، لا وفق اعتبارات قد تثير، ولو من بعيد، أي تساؤل حول حياد القرار. فالتشريع العادل يحتاج أولًا إلى حوكمة عادلة وشفافية مطلقة، لأن حماية الجامعة تبدأ من حماية استقلال القرار الذي يرسم مستقبلها.