لم تكن ليلة أمس مجرد تسعين دقيقة انتهت بخسارة رقمية على لوحة الملعب، ولم يكن البكاء الذي رأيناه في عيون لاعبي منتخبنا الوطني والجمهور بكاءً على ضياع كأس، فالكبار لا تكسرهم الهزائم الرياضية إنما كان بكاءً من مرارة الظلم ذلك الإحساس الثقيل الذي يعتصر قلوب الرجال عندما يرون عرقهم وجهدهم يضيع بصافرة جائرة لم تراعِ ضميراً ولا شرفاً للمهنة.
خرج المنتخب المصري مطلم يحمل الكأس لكنه خرج مرفوع الرأس حاملاً شرف المحاولة وبسالة الأبطال لقد شاهد العالم أجمع كيف بذل هؤلاء الشباب كل قطرة عرق وكيف استبسلوا في الملعب محققين غاية السعي الإنساني.
فلسفة السعي والعدالة الإلهية.
وهنا نقف أمام تساؤل يتردد في صدور الملايين.
كيف يبذل الإنسان كل ما في وسعه، ثم لا يصل إلى النتيجة المرجوة؟ إن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه العزيز: «وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ». ولم يقل سبحانه أن النتيجة مضمونة دائماً بالمعايير البشرية بل إن "السعي" ذاته هو المستهدف وقد رآه الناس وكتبه الله في ميزان الشرف
إن لله حِكماً قد تغيب عن عقولنا القاصرة في لحظة الانكسار. ربما أراد الله لهذا المنتخب ألا يمر مرور الكرام كبطل تقليدي، بل أراد له أن ينال تعاطف وشهرة ومحبة العالم كله كـ "بطل مظلوم" خرج بشرف وأمانة.
إن الهزيمة هنا تكتسب وجهاً آخر وجهاً يرفع من شأنِ مَن خسروا بأخطاء غيرهم ويجعل من الخروج دراما إنسانية تلهم الملايين.
ولأن حزن القهر والظلم شديد على النفس البشرية فإننا نتذكر كيف واسى رب العزة نبيه الكريم ورسوله محمد ﷺ حين ضاق صدره بنفوس البشر وظلمهم، فقال تعالى: «وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ». وهي رسالة لكل لاعب ولكل مشجع شعر بالأمس بضيق الصدر: إن الله يرى، ويعلم ما في القلوب والعدالة المؤجلة تصنع مجداً أعظم.
علم فلسطين في قلب أمريكا الفوز الأسمى.
إذا كنا قد خسرنا بطولة في المستطيل الأخضر، فقد ربحنا معركة الوعي على الساحة العالمية. إن اللقطة التاريخية التي قام بها قائد المنتخب بارتدائه علم فلسطين في قلب الولايات المتحدة الأمريكية تحمل دلالات تفوق بمراحل مجرد الفوز بمباراة كرة قدم.
في بلادٍ غاب عن الكثير من مواطنيها الحقائق التاريخية، جاء هذا المشهد ليعيد تعريف مصر أمام المواطن الأمريكي والغربي؛ مصر ليست مجرد دولة تلعب الكرة، بل هي قلب الشرق الأوسط النابض وحامية قضايا الأمة، والمدافع الأول عن الإسلام وعن حقوق أهلنا المستضعفين في غزة.
هذا الموقف الشجاع حوّل المنصة الرياضية إلى منبر للحق. وإن كان هذا المنتخب قد حُرِم من الكأس، فقد فاز بفوزٍ أعظم وأبقى: فوز الشرف، وفوز الرسالة، وإحياء القضية في نفوس ملايين البشر حول العالم.
لم يخسر المنتخب المصري بالأمس.. بل ربح احترام العالم، وكتب فصلاً جديداً من فصول الكبرياء الإنساني، فالألقاب تذهب وتُنسى، أما المواقف والشرف، فتبقى محفورة في ذاكرة التاريخ.
شكرا للأبطال