من ضرب إيران لإقصاء إسبانيا..عاصفة ترامب بأنقرة تُعيد رسم خارطة الناتو
بينما كانت العاصمة التركية أنقرة تستعد لاستضافة واحدة من أكثر قمم حلف شمال الأطلسي (الناتو) حساسية في التاريخ الحديث، هبطت طائرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتتحول القمة الدبلوماسية إلى ساحة مواجهات سياسية وعسكرية مفتوحة.
لم يأتِ ترامب إلى تركيا لتبادل الابتصامات البروتوكولية، بل حمل معه ملفات ساخنة هزت أركان الحلف؛ من إعلان إنهاء الهدنة مع إيران، إلى تفجير أزمات سيادية مع الشركاء الأوروبيين، وصولاً إلى إعادة توزيع صفقات السلاح الثقيل بناءً على "الولاء والمصلحة".
زلزال في أنقرة: ترامب ينهي هدنة إيران من قلب القمة
سرق الرئيس الأمريكي الأضواء بالكامل من جدول أعمال القمة التقليدي فور وصوله، مفجراً قنبلة سياسية وعسكرية بإعلانه الرسمي أن مذكرة التفاهم والهدنة المؤقتة مع إيران قد "انتهت وأصبحت وراء الظهر".
وأكد ترامب من أنقرة أن القوات الأمريكية وجهت ضربات قاسية لطهران، متوعداً بموجة ضربات أعنف، معتبراً أن التفاوض مع النظام الإيراني بات "مضيعة للوقت"، مما وضع الحلفاء الأوروبيين أمام واقع ميداني جديد ومتفجر في الشرق الأوسط.
مكافأة أردوغان: رفع العقوبات وإحياء صفقة F-35
في تحرك استراتيجي لافت، أعلن ترامب من داخل المجمع الرئاسي في أنقرة عن إلغاء عقوبات "كاتسا" (CAATSA) المفروضة على تركيا.
ولم يكتفِ بذلك، بل أكد أن الإدارة الأمريكية تدرس بجدية إعادة تركيا إلى برنامج مقاتلات الجيل الخامس الاستراتيجية F-35، مشيداً بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومؤكداً أنه حضر القمة في أنقرة خصيصاً "احتراماً له"، واصفاً تركيا بأنها شريك كفء وموثوق مقارنة ببعض الحلفاء الغربيين.
معركة جرينلاند: ترامب يجدد نزاعه السيادي مع الدنمارك
لم يتخلَّ ترامب عن طموحاته الجيوسياسية القديمة؛ إذ أعاد إشعال الخلاف الدبلوماسي مع الدنمارك من قلب العاصمة التركية، مصرحاً علناً بأن جزيرة "غرينلاند" ذات الحكم الذاتي الاستراتيجي في القطب الشمالي "يجب أن تخضع لسيطرة الولايات المتحدة وليس الدنمارك".
ويعد هذا التصريح أثار صدمة واسعة بين القادة الأوروبيين الذين يرون في هذه المطالب تهديداً مباشراً لسيادة الدول الأعضاء ومبادئ التأسيس التي قام عليها الحلف.
الهجوم الأعنف: إقصاء إسبانيا وتهديد بقطع التجارة
تلقّت مدريد الضربة الأقسى خلال القمة، حيث شن ترامب هجوماً لاذعاً على إسبانيا لرفضها المشاركة في الحملة العسكرية الأمريكية ضد إيران في حربها الأخيرة، واصفاً إياها بأنها "شريك فاشل وغير نافع في الناتو".
ولم يتوقف الهجوم عند اللوم السياسي، بل هدد ترامب بوقف التعاملات التجارية الأمريكية مع إسبانيا بالكامل، ما يعكس نهجه الحاد في معاقبة الدول التي لا تتماشى مع أجندته العسكرية.
عقيدة الـ 5% وشبح سحب القوات
استمر ترامب في ممارسة ضغوطه التاريخية بشأن "تقاسم الأعباء المادية"، مصراً على دفع الحلفاء لرفع إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في أسرع وقت ممكن. ورغم محاولات الأمين العام للناتو، مارك روته، تهدئة غضب ترامب بالإشارة إلى أن الحلفاء الأوروبيين وكندا حققوا بالفعل طفرة تاريخية بالوصول إلى حاجز 4% لعام 2026 بزيادة استثنائية بلغت 258 مليار دولار، إلا أن ترامب واصل الضغط لانتزاع التزامات فورية وصارمة.
خلف الكواليس وفي المؤتمرات الصحفية، لوح ترامب مجدداً بإمكانية سحب كامل القوات الأمريكية من الأراضي الأوروبية (بدءاً من سحب 5,000 جندي من ألمانيا وتقليص العتاد)، رابطاً حماية واشنطن للدول الأوروبية بمدى التزامها المالي. هذا التشكيك المستمر في تطبيق "المادة الخامسة" للدفاع المشترك أثار ذعراً حقيقياً لدى العواصم الأوروبية، التي أصبحت تخشى أن تصبح المظلة الأمنية الأمريكية مجرد حبر على ورق في حال تعرضها لأي هجوم خارجي.
مفاجأة باتريوت: رخصة تصنيع عسكري لأوكرانيا
في ملف الحرب الروسية الأوكرانية، ورغم وصفه للرئيسين الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والروسي فلاديمير بوتين بأنهما "شخصيتان صعدتان ومعقدتان"، اتخذ ترامب خطوة نوعية لافتة. فخلال لقائه بزيلينسكي على هامش القمة، أعلن ترامب أن الولايات المتحدة ستمنح أوكرانيا رخصة خاصة لإنتاج منظومات الدفاع الجوي المتطورة "باتريوت" (Patriot) محلياً، في تحول يهدف لتمكين كييف من حماية أجوائها بشكل ذاتي ومستدام تماشياً مع خطته لتقليص الدعم المالي المباشر.
أمام الإعصار السياسي الذي أحدثه ترامب في أنقرة، سارعت الدول الأوروبية والأمانة العامة للحلف إلى الإعلان عن صفقات ومشاريع عسكرية ضخمة تقدر بعشرات المليارات من الدولارات لشراء أسلحة ومعدات جديدة (بما فيها صفقات غواصات ضخمة أعلنتها كندا).
وجاءت هذه الخطوة كمحاولة واضحة من الحلفاء لاسترضاء ترامب عبر ضخ الأموال في قطاع التصنيع العسكري، وتحويل "الأموال إلى قدرات حقيقية" لضمان بقاء واشنطن ملتزمة بقيادة التحالف الأطلسي.

