رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قمة الناتو الحاسمة.. هل تبدأ أوروبا رحلة الاستقلال عن المظلة الأمريكية؟

قمة الناتو في أنقرة
قمة الناتو في أنقرة

تستضيف العاصمة التركية (أنقرة) يومي 7 و8 يوليو قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في حدث يُُعد من أبرز اجتماعات الحلف خلال السنوات الأخيرة؛ نظرًا لما يحيط به من تحديات أمنية وسياسية متسارعة؛ إذ تأتي القمة في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية، وتفاقم التوترات في الشرق الأوسط، إلى جانب تصاعد الخلافات بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين بشأن مستقبل الحلف وآلية توزيع الأعباء الدفاعية.

وتمثل هذه القمة ثاني مرة تستضيف فيها تركيا اجتماعات قادة (الناتو) بعد قمة إسطنبول عام 2004، في وقت يرى فيه محللون أن الحلف يشهد مرحلة جديدة لإعادة صياغة أولوياته الاستراتيجية؛ إذ تكتسب استضافة تركيا لهذه القمة أهمية خاصة، حيث تسعى (أنقرة) إلى ترسيخ مكانتها باعتبارها أحد أهم الأعضاء العسكريين داخل الحلف، خاصة أنها تمتلك ثاني أكبر جيش في (الناتو) بعد الولايات المتحدة. 

قمة الناتو في أنقرة 
قمة الناتو في أنقرة 

كما تحاول استثمار موقعها الجغرافي الذي يربط أوروبا، بالشرق الأوسط، والبحر الأسود؛ لتعزيز دورها السياسي، فضلاً عن سعيها للقيام بدور الوسيط بين واشنطن والعواصم الأوروبية، مستفيدة من حضورها في ملفات إقليمية بارزة مثل أوكرانيا، وسوريا، والطاقة والأمن الإقليمي، ولا تنعقد القمة في ظروف طبيعية، بل تأتي في وقت تشهد فيه القارة الأوروبية أكبر مراجعة لمنظومتها الأمنية منذ انتهاء الحرب الباردة.

فاستمرار الحرب في أوكرانيا، وتزايد التوتر في الشرق الأوسط، واتساع دائرة الخلافات داخل حلف (الناتو) حول مستقبل الدور الأمريكي، جميعها عوامل فرضت واقعًا جديدًا على أجندة (الناتو)، حيث يزداد هذا الواقع تعقيدًا مع إعلان الولايات المتحدة مراجعة انتشار قواتها العسكرية في أوروبا، وإعادة تقييم وجودها العسكري هناك، وهو ما دفع عددًا من الدول الأوروبية إلى تسريع خططها الرامية إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بشكل مستقل، استعدادًا لأي تغيرات محتملة في السياسة الأمريكية تجاه القارة.

إذ تناقش القمة مجموعة واسعة من الملفات التي تمثل أولوية للحلف في المرحلة الحالية، وفي مقدمتها مستقبل الدعم العسكري المقدم لأوكرانيا واستمرار المساعدات الغربية، وزيادة الإنفاق الدفاعي للدول الأعضاء، وتطوير الصناعات الدفاعية المشتركة، إضافة إلى مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، وأمن البحر الأسود والقطب الشمالي، وانعكاسات الحرب في الشرق الأوسط على أمن الحلف، فضلًا عن التأكيد مجددًا على الالتزام بالمادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك.

قمة الناتو في أنقرة 
قمة الناتو في أنقرة 

وخطف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الأضواء منذ الساعات الأولى؛ لقمة (الناتو) بعد سلسلة من التصريحات التي أثارت جدلًا واسعًا بين الحلفاء، حيث أعادت الخلافات القديمة إلى الواجهة، وكان في مقدمة تلك التصريحات، عاد ترامب للمطالبة بأن تصبح جزيرة جرينلاند تحت السيادة الأمريكية، مؤكدًا أنها يجب أن تكون تابعة للولايات المتحدة وليس للدنمارك، معتبرًا أن الجزيرة تمثل أهمية استراتيجية للأمن القومي الأمريكي. 

ولكن أثارت هذه التصريحات استياء واسعًا داخل الدنمارك وعدد من الدول الأوروبية، خاصة أن الدنمارك عضو في حلف (الناتو)، فيما شددت رئيسة الوزراء الدنماركية على أن جزيرة جرينلاند؛ ليست للبيع ولن تكون محل تفاوض، كما لوح ترامب بإمكانية سحب نحو 80 ألف جندي أمريكي من أوروبا إذا استمرت الدول الأوروبية في عدم تحمل مسؤولياتها الدفاعية، و(ذلك على حد تعبيره).

كما يرى الرئيس الأمريكي، أن واشنطن تتحمل النصيب الأكبر من أعباء الدفاع عن أوروبا، بينما لا تبادر الدول الأوروبية إلى تقديم الدعم الكافي للولايات المتحدة عندما تحتاج إليه، وامتدت انتقادات ترامب إلى عدد من الحلفاء، حيث هاجم (بريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا)، معتبرًا أنها لم تقدم الدعم المطلوب للولايات المتحدة خلال عملياتها العسكرية ضد إيران، فيما وصف إسبانيا بأنها (شريك سيئ)، ولوح باتخاذ إجراءات اقتصادية ضدها بسبب رفضها الالتزام الكامل بالمطالب الأمريكية المتعلقة برفع الإنفاق الدفاعي.

وفي المقابل، شهدت النظرة الأوروبية إلى الولايات المتحدة تغيرًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، ورغم استمرار اعتبار واشنطن الضامن الرئيسي لأمن أوروبا، فأن الثقة الأوروبية في استمرار هذا الدور لم تُعد كما كانت خاصًة مع تكرار التهديدات الأمريكية المتعلقة بتقليص الالتزامات داخل حلف (الناتو) أو إعادة النظر في الوجود العسكري الأمريكي بالقارة.

قمة الناتو في أنقرة 
قمة الناتو في أنقرة 

ولهذا السبب، بدأت العواصم الأوروبية العمل على تنفيذ مجموعة من الخطوات لتعزيز استقلالها الدفاعي، من بينها زيادة الإنفاق العسكري، وتطوير صناعات دفاعية أوروبية مستقلة، والعمل على إنتاج أسلحة بعيدة المدى، وتقليل الاعتماد على القدرات العسكرية الأمريكية، إلى جانب توسيع التعاون الدفاعي بين دول الاتحاد الأوروبي وكندا، كما تشير تقارير إعلامية أوروبية إلى أن عددًا من الحكومات بدأ بالفعل إعداد خطط للتعامل مع أي تراجع محتمل في الوجود العسكري الأمريكي داخل أوروبا. 

كما تحدثت وسائل إعلام عن تحركات لتأسيس مهام بحرية أوروبية جديدة في شمال الأطلسي والقطب الشمالي، إضافة إلى توقيع عقود دفاعية بمليارات اليورو خلال القمة بهدف تعزيز القدرات العسكرية الأوروبية، فيما حظيت القمة باهتمام واسع من وسائل الإعلام الدولية، التي رأت أنها تمثل محطة مفصلية في مستقبل الحلف.

تقارير إعلامية تتحدث عن قمة الناتو بعد تصريحات ترامب بشأن جرينلاند

وبعد تصريحات ترامب المثيرة للجدل، والمستمرة تجاه قضية جزيرة جرينلاند، وصفت صحيفة (بوليتيكو) الاجتماع بأنه اختبار حقيقي لوحدة (الناتو)، معتبرة أن تصريحات ترامب بشأن جزيرة جرينلاند، أعادت إثارة الشكوك حول مدى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن أوروبا، وألقت بظلالها على أجواء القمة منذ بدايتها.

أما صحيفة (إل باييس) الإسبانية فرأت، أن الدول الأوروبية لم تُعد تنتظر المبادرات الأمريكية كما في السابق، بل بدأت تتحرك لبناء قدراتها الدفاعية الذاتية، معتبرة أن قمة (الناتو) تعكس انتقال أوروبا من مرحلة الاعتماد الكامل على واشنطن إلى مرحلة تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها.

كما اعتبرت وكالة (أسوشيتد برس)، أن قمة الناتو تمثل نقطة تحول في تاريخ حلف؛ نظرًا لتزامنها مع تراجع الدور الأمريكي التقليدي في حماية أوروبا، واحتدام الخلافات المتعلقة بالإنفاق الدفاعي ومستقبل الحلف.

في حين ركز موقع (يورونيوز) على أن الهدف الأبرز للاجتماع يتمثل في تجديد الالتزام بالمادة الخامسة من معاهدة (الناتو)، وإبراز تماسك الحلف رغم التباينات السياسية بين أعضائه، ورغم حدة الخلافات التي ظهرت خلال القمة، فأن غالبية الخبراء لا يرون أن حلف (الناتو) يواجه خطر الانهيار، وإنما يعتبرون أنه يمر بمرحلة إعادة توزيع للأدوار بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

وتتمثل الرؤية الأوروبية الحالية في تحمل مسؤولية أكبر عن أمن القارة، بينما تتجه الولايات المتحدة إلى تقليل أعبائها العسكرية في أوروبا، مع توجيه اهتمامها بصورة أكبر نحو المنافسة مع الصين والتعامل مع ملفات دولية أخرى تزداد تعقيدا.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء