رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كيف تهدد الضربات الأمريكية على إيران استقرار أسواق الطاقة العالمية؟

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

أعادت الضربات العسكرية الأمريكية الأخيرة على أهداف إيرانية التوتر إلى قلب أسواق الطاقة العالمية، بعدما تصاعدت المخاوف من اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لنقل النفط والغاز في العالم، وجاء التصعيد الأخير ليضع الأسواق مجددًا أمام سيناريوهات معقدة، تتراوح بين احتواء الأزمة وعودة الاستقرار، أو اتساع رقعة المواجهة بما يهدد إمدادات الطاقة ويرفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.

 

شنت الولايات المتحدة ضربات عسكرية استهدفت مواقع دفاع جوي ومنصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة ومراكز مراقبة ساحلية داخل إيران، بالتزامن مع إعادة فرض عقوبات تجارية، وذلك عقب هجمات استهدفت ناقلات نفط في مضيق هرمز. وأثارت هذه التطورات مخاوف المستثمرين من تعطل تدفقات الطاقة العالمية، خاصة مع تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة.

 

قفزة فورية في أسعار النفط

ردت الأسواق سريعًا على التطورات العسكرية، إذ ارتفعت أسعار النفط بشكل ملحوظ، وصعد خام غرب تكساس الوسيط بنحو 2.7% ليسجل قرابة 72.4 دولارًا للبرميل، بينما ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت أيضًا وسط إقبال المستثمرين على شراء العقود تحسبًا لأي نقص محتمل في الإمدادات.

ويعود هذا الارتفاع إلى ما يعرف بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية"، وهي الزيادة السعرية التي يضيفها المتعاملون عندما ترتفع احتمالات تعطل الإنتاج أو النقل نتيجة النزاعات العسكرية أو السياسية، وهو ما يجعل أسعار النفط أكثر حساسية للأحداث الأمنية في منطقة الخليج.

 

مضيق هرمز.. شريان الطاقة العالمي

تكمن خطورة التصعيد الحالي في موقعه الجغرافي، إذ يمر عبر مضيق هرمز نحو خمس إمدادات النفط العالمية، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال، ما يجعله أحد أكثر الممرات البحرية أهمية بالنسبة للاقتصاد العالمي.

وأي اضطراب في حركة الملاحة داخل المضيق ينعكس مباشرة على أسعار النفط والغاز، خاصة أن الدول الآسيوية مثل الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بصورة كبيرة على الإمدادات القادمة من الخليج العربي.

ورغم وجود خطوط أنابيب بديلة في السعودية والإمارات، فإن قدرتها الاستيعابية لا تكفي لتعويض الكميات التي تعبر المضيق يوميًا، الأمر الذي يزيد من حساسية الأسواق تجاه أي تطور عسكري في المنطقة.

 

أسواق النفط بين الحذر والذعر

حتى الآن، لم تصل الأسواق إلى مرحلة الذعر الكامل، إلا أن المحللين يرون أن مستويات المخزون العالمية المنخفضة تجعل أي تصعيد إضافي أكثر تأثيرًا مقارنة بالأزمات السابقة.

وتشير تقديرات مؤسسات مالية دولية إلى أن تعطيل جزء كبير من صادرات الخليج قد يمثل أكبر صدمة في إمدادات النفط خلال العقود الأخيرة، وهو ما قد يدفع الأسعار إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل إذا استمرت الأزمة أو اتسعت رقعتها.

كما انعكس التصعيد على حركة النقل البحري، حيث تباطأت حركة عدد من ناقلات النفط والغاز التي فضلت تغيير مساراتها أو تأجيل العبور لحين اتضاح الموقف الأمني، وهو ما يزيد من تكلفة الشحن والتأمين ويضغط على أسعار الطاقة.

 

الغاز الطبيعي يدخل دائرة التأثر

لم تقتصر تداعيات الأزمة على سوق النفط، بل امتدت أيضًا إلى الغاز الطبيعي، خاصة في أوروبا وآسيا، مع ارتفاع أسعار الغاز نتيجة المخاوف من تعطل شحنات الغاز الطبيعي المسال القادمة من منطقة الخليج.

ويعد الغاز القطري أحد أهم مصادر الإمدادات العالمية، وأي اضطراب في حركة التصدير عبر مضيق هرمز ينعكس سريعًا على مؤشرات أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية والآسيوية، وهو ما يزيد الضغوط على الدول المستوردة للطاقة.

كما يهدد استمرار الأزمة بارتفاع تكاليف الكهرباء والصناعة والنقل، الأمر الذي قد يعيد الضغوط التضخمية إلى اقتصادات كانت بدأت بالفعل في احتواء موجة التضخم التي أعقبت الأزمات العالمية السابقة.

 

تداعيات اقتصادية واسعة

لا تتوقف آثار التصعيد عند حدود أسواق الطاقة، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، إذ يؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة تكاليف الإنتاج والنقل والشحن، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار السلع والخدمات.

كما تواجه البنوك المركزية معضلة جديدة، إذ قد تضطر إلى الإبقاء على أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول إذا عادت معدلات التضخم إلى الارتفاع نتيجة زيادة أسعار الطاقة، وهو ما قد يؤثر سلبًا على معدلات النمو والاستثمار.

وفي المقابل، قد تستفيد بعض الدول المنتجة للنفط خارج منطقة الخليج، مثل الولايات المتحدة وكندا والبرازيل، من ارتفاع الأسعار، إلا أن استمرار التقلبات يحد من وضوح الرؤية أمام المستثمرين ويؤجل قرارات الاستثمار طويلة الأجل في قطاع الطاقة.

 

الخليج وإيران في قلب الأزمة

تواجه إيران تحديات اقتصادية متزايدة مع تشديد العقوبات الأمريكية، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد الإيراني بدرجة كبيرة على صادرات النفط كمصدر رئيسي للعملة الأجنبية.

أما دول الخليج، وعلى رأسها السعودية والإمارات والعراق والكويت، فتواجه تحديًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على استمرار الصادرات النفطية، وتأمين المنشآت الحيوية والممرات البحرية، في ظل ارتفاع تكاليف التأمين والمخاطر الأمنية.

ورغم امتلاك تحالف "أوبك+" طاقات إنتاجية إضافية، فإن أي اضطراب طويل الأمد في حركة النقل قد يقلل من قدرة الأسواق على الاستفادة من هذه الطاقات بصورة كاملة.

 

سيناريوهات المرحلة المقبلة

 

يرى خبراء الطاقة أن مستقبل الأسواق سيعتمد على المسار السياسي والعسكري للأزمة خلال الأسابيع المقبلة.

ففي حال نجاح الجهود الدبلوماسية واحتواء التصعيد، قد تتراجع أسعار النفط تدريجيًا لتتحرك ضمن نطاق أكثر استقرارًا، مع استمرار وجود علاوة مخاطر محدودة تعكس حالة عدم اليقين.

أما إذا تصاعدت المواجهة أو تعرضت منشآت نفطية جديدة للاستهداف أو تعطل المرور في مضيق هرمز لفترة طويلة، فقد تعود أسعار النفط إلى مستويات تتجاوز 100 دولار للبرميل، وهو سيناريو قد ينعكس على معدلات النمو العالمي ويزيد احتمالات دخول بعض الاقتصادات في حالة تباطؤ أو ركود.

 

أسواق الطاقة أمام اختبار جديد

تكشف التطورات الأخيرة أن أسواق الطاقة العالمية لا تزال شديدة التأثر بالتوترات الجيوسياسية، وأن أي اضطراب في منطقة الخليج ينعكس سريعًا على الأسعار والتضخم والنمو الاقتصادي.

ورغم ما تتمتع به السوق العالمية من مرونة مقارنة بسنوات سابقة، فإن استمرار انخفاض المخزونات الاستراتيجية واعتماد جزء كبير من التجارة العالمية على مضيق هرمز يجعلان أي تصعيد جديد عاملًا قادرًا على تغيير معادلة العرض والطلب خلال فترة قصيرة.

وفي ظل هذه المعطيات، يبقى المسار الدبلوماسي العامل الأكثر أهمية في احتواء الأزمة، بينما تواصل الحكومات والشركات والمستثمرون مراقبة تطورات المشهد عن كثب، استعدادًا لمواجهة مرحلة قد تشهد مزيدًا من التقلبات في أسواق الطاقة العالمية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء