لم تعد مشاهدات الثعابين، وخاصة الكوبرا المصرية، مجرد وقائع فردية تتداولها صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت خلال الأسابيع الأخيرة إلى مصدر قلق في عدد من المحافظات، وفي مقدمتها الشرقية، بعد تكرار البلاغات عن ظهورها بالقرب من المنازل والحقول والطرق الزراعية.
وبين حالة الخوف التي يعيشها المواطنون، وما يتردد من روايات غير موثقة عن "هجوم" الثعابين على البشر، يبرز سؤال مهم: هل أصبحت الثعابين أكثر عدوانية؟ أم أن الإنسان هو الذي اقترب من بيئتها الطبيعية؟
يرى المتخصصون في الحياة البرية أن وصف ما يحدث بأنه "هجوم" ليس دقيقًا من الناحية العلمية، فالثعابين، بما فيها الكوبرا المصرية، لا تعتبر الإنسان فريسة، وإنما تلدغ غالبًا عندما تشعر بالخطر أو عند مفاجأتها أو محاصرتها أو محاولة الإمساك بها.
وتشير الدراسات البيئية إلى أن فصل الصيف، وارتفاع درجات الحرارة، يمثلان موسم النشاط الأكبر للثعابين، حيث تخرج من جحورها بحثًا عن الماء والغذاء، كما يزداد نشاط فرائسها، مثل الفئران والقوارض، فتتبعها الثعابين إلى المناطق الزراعية وأحيانًا إلى محيط المنازل.
ولا يقتصر الأمر على المناخ وحده، فالتوسع العمراني والتعدي على بعض البيئات الطبيعية، إلى جانب إزالة الغطاء النباتي وتجفيف بعض الأراضي، كلها عوامل تقلص الموائل الطبيعية للثعابين، فتزداد فرص احتكاكها بالإنسان.
ويؤكد مختصون في مجال الحماية المدنية أن أفضل وسيلة للتعامل مع ظهور الثعابين هي الابتعاد عنها وعدم محاولة قتلها أو الإمساك بها، لأن معظم الإصابات تقع أثناء محاولات المواطنين التعامل معها بأنفسهم. ويوصى بالإبلاغ عن الواقعة للجهات المختصة التي تمتلك المعدات والخبرة اللازمة للتعامل الآمن مع الحيوانات البرية.
كما ينصح خبراء البيئة بالحد من العوامل التي تجذب الثعابين، مثل تراكم المخلفات، وانتشار القوارض، ووجود الحشائش الكثيفة أو الأكوام المهملة حول المنازل والمزارع، مع إحكام غلق الفتحات والشقوق التي قد تتخذها مأوى.
وفي المقابل، يحذر المختصون من تداول الشائعات التي تربط ظهور الثعابين بأسباب غير علمية، مؤكدين أن الظاهرة لها تفسيرات بيئية معروفة، وأن زيادة تداول مقاطع الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي قد تعطي انطباعًا بأن الأعداد تضاعفت، بينما قد يكون جزء من الأمر مرتبطًا بزيادة التوثيق والاهتمام الإعلامي.
ويبقى التعامل مع الظاهرة مسؤولية مشتركة بين الجهات التنفيذية والمواطنين؛ فرفع الوعي البيئي، وسرعة الاستجابة للبلاغات، والحفاظ على التوازن البيئي، كلها عوامل تحد من المخاطر وتحمي الإنسان والحياة البرية في آن واحد.
إن ظهور الكوبرا أو غيرها من الثعابين يستدعي الحذر، لكنه لا يستدعي الذعر. فالحقائق العلمية تؤكد أن الوقاية، والالتزام بإرشادات السلامة، وترك التعامل مع هذه الحيوانات للجهات المختصة، هي الوسيلة الأكثر فاعلية لحماية الأرواح وتقليل الحوادث.
