هل دفعت الحرب في لبنان النازحين السوريين للعودة إلى بلادهم؟
يعيد الانفتاح السياسي بين لبنان و سوريا ملف النازحين السوريين إلى واجهة النقاش من جديد، في ظل مؤشرات على رغبة الجانبين في معالجة القضايا العالقة بينهما، وفي مقدمتها ملف النزوح الذي يشكل أحد أبرز التحديات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يواجهها لبنان منذ سنوات.
وجاءت زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، إلى بيروت الأسبوع الماضي لتعزز الحديث عن مرحلة جديدة من التنسيق بين البلدين، وهو ما قد ينعكس على ملف عودة النازحين السوريين إلى بلادهم.
تحديات اقتصادية

ورغم سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشارالأسد، فإن وتيرة العودة لم تشهد تسارعاً كبيراً كما كان متوقعاً، ويُعزى ذلك إلى استمرار التحديات الاقتصادية والمعيشية داخل سوريا، والتي لا تزال تشكل عائقاً أمام عودة أعداد كبيرة من النازحين.
وفي هذا السياق، لا تشير بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى حدوث انخفاض حاد أو مفاجئ في أعداد النازحين السوريين الموجودين في لبنان نتيجة الحرب التي شهدتها البلاد عام 2026، وإنما تؤكد أن تراجع الأعداد جاء بصورة تدريجية ومتراكمة منذ أواخر عام 2024 وحتى عام 2026، نتيجة تداخل ثلاثة عوامل رئيسية، هي العودة الطوعية إلى سوريا، وتحسن بعض الأوضاع الأمنية داخلها، إلى جانب استمرار حركة العبور النشطة بين لبنان وسوريا في الاتجاهين.
وفي المقابل، ألقت الحروب المتعاقبة التي شهدها لبنان بظلالها على أوضاع جميع المقيمين على أراضيه، بمن فيهم النازحون السوريون، إذ أدى تراجع الخدمات الأساسية والضغوط الاقتصادية إلى اضطرار أعداد كبيرة منهم إلى النزوح مجدداً داخل الأراضي اللبنانية بحثاً عن مناطق أكثر أمناً، في ظل اتساع رقعة المواجهات والقصف.
ومع تصاعد العمليات العسكرية، لم يعد لبنان يشكل بيئة آمنة حتى بالنسبة إلى مواطنيه، الأمر الذي جعل مئات آلاف السوريين الذين لجأوا إليه خلال سنوات الحرب السورية يعيدون النظر في بقائهم.
العودة وقت الحرب
وبعد التطورات السياسية التي شهدتها سوريا، فضلت أعداد كبيرة من النازحين السوريين العودة إلى مدنهم وقراهم، بدلاً من الاستمرار في الإقامة داخل بلد يواجه أزمات أمنية وحروباً متكررة.
وتظهر البيانات المتعلقة ببداية الحرب التي اندلعت بين إسرائيل ولبنان في مارس 2026 حجم هذه الحركة، إذ أشارت السلطات السورية إلى أن نحو 200 ألف شخص عبروا من لبنان إلى سوريا خلال الفترة الممتدة بين الثاني والسابع والعشرين من مارس 2026.
وفي الوقت نفسه، تحدثت بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة عن عودة ما بين 120 ألفاً و180 ألف سوري من لبنان إلى سوريا خلال الأسابيع الأولى من الحرب فقط، وهو ما يعكس ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة العودة خلال تلك الفترة.
كما أفادت المفوضية بأن أكثر من 609 آلاف سوري عادوا إلى بلادهم خلال الفترة الممتدة من الثامن من يناير 2024، وهو التاريخ الذي يشير إليه النص باعتباره تاريخ سقوط نظام بشار الأسد، وحتى نهاية أبريل 2026، في إطار عمليات العودة الطوعية أو التلقائية.
وأضافت المفوضية أنه حتى الحادي والثلاثين من مايو 2026، استمر تنفيذ برنامج العودة الطوعية الذي تدعمه من لبنان إلى سوريا، بالتوازي مع استمرار عودة أعداد كبيرة من السوريين بصورة فردية ومن دون تنظيم رسمي.
ارتفاعا ملحوظا في العودة
من جهتها، تشير دراسة صادرة عن "الدولية للمعلومات" إلى أن وتيرة عودة النازحين السوريين شهدت ارتفاعاً ملحوظاً على مرحلتين أساسيتين؛ الأولى أعقبت سقوط النظام السوري في يناير/كانون الثاني 2024، والثانية جاءت بعد الحرب التي شهدها لبنان في مارس 2026، حيث دفعت الأوضاع الأمنية والاقتصادية المتدهورة في لبنان مزيداً من السوريين إلى اتخاذ قرار العودة.
وتقدر الدراسة أن عدد السوريين الذين بقوا داخل لبنان بعد موجات العودة المتلاحقة لا يزال يتراوح بين 800 ألف و900 ألف شخص تقريباً، رغم استمرار عمليات المغادرة.
كما تشير إلى أن نحو 150 ألف سوري عادوا من لبنان إلى سوريا منذ اندلاع الحرب في مارس 2026 وحتى نهاية العام نفسه، وهو رقم يتقاطع إلى حد كبير مع بيانات المنظمة الدولية للهجرة، التي سجلت وصول 120 ألفاً و727 شخصاً من الأراضي اللبنانية إلى سوريا خلال الفترة ذاتها.
وتلفت الدراسة إلى وجود اختلاف في منهجية احتساب أعداد العائدين بين الجهات المختلفة. فـ"الدولية للمعلومات" تعتمد العدد الإجمالي لكل من غادر لبنان باتجاه سوريا، سواء عاد بصورة طوعية، أو اضطر إلى المغادرة نتيجة الظروف الأمنية، أو عبر الحدود بشكل تلقائي.
التنسيق بين الدولتين
أما الجهات الرسمية اللبنانية، وفي مقدمتها وزارة الشؤون الاجتماعية والمديرية العامة للأمن العام، فتعتمد أرقام "برنامج العودة المنظمة" الذي تشرف عليه الحكومة، ويقتصر على السوريين الذين عادوا ضمن الآلية الرسمية المنسقة بين الدولة اللبنانية والأجهزة المختصة.
وبحسب وزارة الشؤون الاجتماعية، فقد عاد حتى الآن نحو 380 ألف سوري ضمن برامج التنسيق مع الأمن العام اللبناني ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، فيما تتوقع الوزارة أن يرتفع العدد إلى نحو 500 ألف عائد في إطار الخطة الحكومية الموضوعة، وهي أرقام تراكمية تعكس إجمالي العائدين ضمن البرنامج الرسمي، ولا ترتبط فقط بالفترة التي أعقبت الحرب الأخيرة في لبنان.
