«المرأة الفلسطينية».. من النضال الاجتماعي إلى المشاركة في المقاومة المسلحة
لا يمكن كتابة تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة دون التوقف أمام الدور الذي تلعبه المرأة الفلسطينية، والذي تطور عبر العقود من العمل الاجتماعي والإغاثي والتعليم، إلى المشاركة في التنظيم السياسي والعمل السري، ثم الانخراط في العمليات المسلحة بجوار أبطال المقاومة الرجال والاطفال.
ارتبط تاريخ المرأة الفلسطينية بتاريخ القضية نفسها، منذ ثورة عام 1936 ضد الانتداب البريطاني، مرورا بنكبة عام 1948، ثم نكسة يونيو 1967، وصولًا إلى الانتفاضتين الأولى والثانية.
وخلال هذه المراحل شاركت النساء في نقل السلاح، وإيواء المطاردين، وجمع المعلومات، والعمل التنظيمي، كما تولت بعضهن قيادة مجموعات مسلحة أو تنفيذ عمليات أصبحت من أكثر الأحداث حضورا في الذاكرة الفلسطينية.
في هذا التقرير نستعرض أسماء وبطولات أبرز الشخصيات النسائية التي تركت بصمة في تاريخ النضال الفلسطيني تقديرا لدورهن ودعما لمسيرتهن
دلال المغربي... قائدة أشهر عملية فدائية خارج حدود فلسطين
ولدت " دلال المغربي " عام 1958 في مخيم صبرا بالعاصمة اللبنانية بيروت، لأسرة فلسطينية هاجرت من مدينة يافا إثر حرب عام 1948 ، و نشأت في بيئة اللجوء التي شكلت وعي جيل كامل من الفلسطينيين الذين عاشوا بعيدا عن وطنهم.
في منتصف السبعينيات انضمت إلى حركة " فتح " وخضعت لتدريبات عسكرية في قواعد الحركة في لبنان، ولفتت الأنظار بقدرتها على القيادة والانضباط، رغم صغر سنها.
في 11 مارس 1978 قادت مجموعة فدائية ضمن ما عُرف فلسطينيًا باسم " عملية كمال عدوان " بينما تعرف إسرائيليًا باسم "عملية الطريق الساحلي"
انطلقت المجموعة بحراً من جنوب لبنان، ووصلت إلى الساحل الفلسطيني، ثم سيطرت على حافلة إسرائيلية، وانتهت العملية باشتباكات مع قوات الأمن الإسرائيلية.
أسفرت العملية عن مقتل وإصابة عدد كبير من الإسرائيليين، كما قُتل معظم أفراد المجموعة، ومن بينهم دلال المغربي ، و أصبحت منذ ذلك الحين واحدة من أبرز الرموز الوطنية في الخطاب الفلسطيني، في حين تُصنفها إسرائيل كمنفذة لواحدة من أكثر الهجمات دموية ضد الإسرائيليين.
ولا يزال جثمانها، وفق مصادر فلسطينية، محتجزاً ضمن ما يعرف بـ"مقابر الأرقام"، وهي مقابر عسكرية إسرائيلية تضم جثامين عدد من الفلسطينيين واللبنانيين الذين لم تُسلم رفاتهم إلى ذويهم.
ليلى خالد... الوجه الأشهر للجبهة الشعبية عالميا
ولدت " ليلى خالد " عام 1944 في مدينة حيفا، واضطرت مع أسرتها إلى اللجوء في لبنان عقب نكبة عام 1948 وهي في الرابعة من عمرها.
انضمت في شبابها إلى حركة القوميين العرب بقيادة جورج حبش، ثم أصبحت بعد تأسيس " الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين " عام 1967 إحدى أبرز كوادرها.
اكتسبت شهرتها العالمية عام 1969 عندما شاركت في خطف طائرة تابعة لشركة TWA وتحويل مسارها إلى دمشق، في عملية هدفت - بحسب الجبهة - إلى تسليط الضوء على القضية الفلسطينية والإفراج عن الأسرى.
وفي سبتمبر 1970 شاركت في محاولة خطف طائرة تابعة لشركة "إل عال" الإسرائيلية أثناء رحلتها من أمستردام إلى لندن، إلا أن العملية فشلت بعد تدخل أفراد الأمن الموجودين على متن الطائرة، وقُتل شريكها في العملية، بينما اعتُقلت ليلى خالد في بريطانيا، قبل أن يُفرج عنها بعد أسابيع في إطار صفقة تبادل رهائن.
تحولت صورتها وهي ترتدي الكوفية وتحمل بندقية كلاشنيكوف إلى واحدة من أشهر الصور السياسية في القرن العشرين، ونُشرت على أغلفة المجلات والصحف العالمية، وأصبحت رمزًا إعلاميًا للقضية الفلسطينية، بغض النظر عن المواقف المؤيدة أو المعارضة لأسلوب العمليات التي شاركت فيها.
ولا تزال ليلى خالد حتى اليوم ناشطة سياسية وعضوًا في المجلس الوطني الفلسطيني.
شادية أبو غزالة... أول شهيدة فلسطينية بعد نكسة 1967
ولدت " شادية أبو غزالة " في مدينة نابلس عام 1949، ودرست الطب في جامعة عين شمس بالقاهرة، لكنها عادت إلى فلسطين عقب حرب يونيو 1967.
كانت من أوائل أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الضفة الغربية، وأسهمت في بناء التنظيم داخل الأراضي المحتلة، وتولت مسؤوليات تنظيمية وعسكرية، إلى جانب الإشراف على العمل النسائي.
في 28 نوفمبر 1968، وأثناء إعداد عبوة ناسفة داخل منزل في نابلس، انفجرت العبوة قبل موعدها، فقُتلت على الفور.
وأصبحت بذلك أول امرأة فلسطينية تُقتل أثناء مشاركتها في نشاط عسكري بعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، وتحولت إلى إحدى الشخصيات المؤسسة في ذاكرة الجبهة الشعبية.
فاطمة برناوي.. أول أسيرة فلسطينية في سجون الاحتلال
ولدت " فاطمة برناوي " عام 1939 في القدس، لأب نيجيري وأم فلسطينية، وهو ما يعكس التنوع الثقافي والعرقي داخل المجتمع الفلسطيني ، عملت ممرضة في القدس، ثم انضمت إلى حركة فتح بعد حرب يونيو 1967.
في أكتوبر 1967 اعتقلتها القوات الإسرائيلية بتهمة زرع عبوة ناسفة داخل سينما "صهيون" في القدس الغربية، وهي عملية لم تؤد إلى سقوط قتلى.
حكمت عليها محكمة إسرائيلية بالسجن المؤبد، لتصبح أول امرأة فلسطينية تُحكم بالمؤبد بعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس والضفة الغربية ، أمضت عشرة أعوام في السجن، قبل الإفراج عنها عام 1977 ضمن صفقة تبادل أسرى.
بعد توقيع اتفاقيات أوسلو وعودة كوادر منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأراضي الفلسطينية، عادت فاطمة برناوي إلى غزة، وأسهمت في تأسيس الشرطة النسائية الفلسطينية، وعملت في تدريب عناصرها، قبل أن تتوفى عام 2022.
رسمية عودة... تجربة الاعتقال المبكر
تُعد " رسمية عودة " من أوائل النساء الفلسطينيات اللواتي برزن في العمل السياسي والتنظيمي بعد عام 1967 ، اعتُقلت عام 1969، وحُكم عليها بالسجن المؤبد قبل الإفراج عنها في صفقة تبادل عام 1979 ، وبعد خروجها من السجن هاجرت إلى الولايات المتحدة، حيث أسست عددًا من المؤسسات المجتمعية التي تعنى بالمرأة العربية والمهاجرة.
وقد أثارت لاحقًا جدلًا واسعًا في الولايات المتحدة بعد إدانتها بتقديم معلومات غير صحيحة في ملف الهجرة بشأن اعتقالها السابق في إسرائيل، ما أدى إلى سحب جنسيتها الأمريكية وترحيلها.
انتصار الوزير (أم جهاد )
تُعد السيدة " انتصار الوزير " المعروفة باسم "أم جهاد"، من أبرز القيادات النسائية في حركة فتح.
شاركت منذ بدايات الحركة في تأسيس البنية التنظيمية، وعملت مع زوجها خليل الوزير، أحد أبرز مؤسسي حركة فتح.
تولت مسؤوليات تتعلق برعاية أسر الشهداء والأسرى، وأسهمت في إدارة قطاعات اجتماعية وتنظيمية داخل الحركة، كما أصبحت بعد قيام السلطة الفلسطينية وزيرة للشؤون الاجتماعية، ثم عضوة في اللجنة المركزية لحركة فتح.
زكية شموط، آمنة دهبور، وأسماء أقل شهرة
إلى جانب الأسماء الأكثر شهرة، برزت عشرات النساء اللواتي شاركن في العمل السري والتنظيمي داخل الأراضي الفلسطينية وفي الشتات، ومن بينهن:
" زكية شموط " التي لعبت دورا في شبكات الإسناد اللوجستي للمقاومة.
" آمنة دهبور " التي شاركت في العمل التنظيمي خلال سنوات الثورة الفلسطينية في لبنان.
كما برزت أسماء عديدة في الانتفاضة الأولى من خلال قيادة اللجان الشعبية، وتنظيم المظاهرات، وإدارة شبكات التعليم والإغاثة.
المرأة الفلسطينية في الانتفاضتين
خلال الانتفاضة الأولى (1987-1993)، اتخذ دور المرأة طابعًا جماهيريا واسعا، إذ شاركت في قيادة اللجان الشعبية و تنظيم الإضرابات والعصيان المدني ، وساهمت في إنشاء المدارس البديلة بعد إغلاق المدارس ، و تقديم الإسعافات الأولية ، الى جانب دعم الأسرى وعائلاتهم.
أما خلال الانتفاضة الثانية (2000-2005)، فقد توسعت مشاركة بعض النساء في الأجنحة العسكرية التابعة للفصائل الفلسطينية، بينما استمر حضور أعداد كبيرة منهن في مجالات العمل الإغاثي والسياسي والإعلامي.
الأسيرات الفلسطينيات
شكّل ملف الأسيرات أحد أبرز أوجه مشاركة المرأة الفلسطينية في الصراع ، فمنذ عام 1967 اعتقلت إسرائيل آلاف النساء الفلسطينيات، بينهن طالبات جامعيات، ونائبات في المجلس التشريعي، وصحفيات، وطبيبات، وناشطات سياسيات.
وتشير المؤسسات الحقوقية الفلسطينية إلى أن الاعتقالات شملت مختلف الفئات العمرية، بما في ذلك القاصرات وكبيرات السن، مع تفاوت أعداد المعتقلات من عام إلى آخر بحسب تطورات الأوضاع الأمنية والسياسية.
بين الرمز الوطني والجدل الدولي
حظيت العديد من المناضلات الفلسطينيات بمكانة رمزية كبيرة داخل المجتمع الفلسطيني، حيث تُخلد أسماؤهن في الأدبيات الوطنية، بينما تنظر إليهن دولة العدو والعديد من الدول الغربية من منظور مختلف بسبب مشاركتهن في عمليات استهدفت مدنيين أو وسائل نقل مدنية صهيونية.
ويعكس هذا التباين اختلاف الروايات التاريخية والسياسية المرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ويجعل تقييم أدوار هذه الشخصيات مرتبطًا بالإطار السياسي والقانوني الذي تُقرأ من خلاله الأحداث.
لكن الحقيقة المؤكدة ان تجربة المرأة الفلسطينية و مشاركتها في الحركة الوطنية لم تكن هامشية أو مقتصرة على الأدوار التقليدية، بل امتدت إلى مختلف المستويات ، من التعليم والإغاثة والعمل النقابي، إلى التنظيم السياسي، والعمل السري، والاعتقال، وفي بعض المراحل المشاركة المباشرة في العمليات المسلحة ، وقد أسهمت هذه الأدوار في تشكيل جزء مهم من تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، وجعلت المرأة شريكا أساسيا في مختلف محطات الصراع، سواء في الداخل الفلسطيني أو في مخيمات اللجوء والشتات.





