رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إستقلال الجزائر في عيون السينما.. عندما وثقت الشاشة ملحمة التحرير

إيجبتكِ

شكّلت الثورة الجزائرية (1954-1962) واحدة من أبرز حركات التحرر الوطني في القرن العشرين، بعد أن خاض الشعب الجزائري حربًا طويلة ضد الاستعمار الفرنسي الذي دام 132 عامًا. وخلال سنوات الثورة، قدّم الجزائريون أكثر من مليون ونصف المليون شهيد، حتى تُوجت مسيرتهم بإعلان استقلال الجزائر في 5 يوليو 1962.

وبفضل ما حملته الثورة من بطولات وتضحيات، أصبحت مصدر إلهام للسينما العربية والعالمية، التي وثقت أحداثها، وكشفت ممارسات الاحتلال الفرنسي، وسلطت الضوء على كفاح الشعب الجزائري من أجل الحرية.

السينما توثق ملحمة التحرير

قدّمت السينما العديد من الأعمال التي تناولت الثورة الجزائرية من زوايا مختلفة، فركز بعضها على المقاومة الشعبية، بينما اهتمت أعمال أخرى بتوثيق الحياة اليومية تحت الاحتلال.

ويأتي في مقدمة هذه الأعمال


فيلم "ريح الأوراس" (1966): قصة أم تجسد معاناة شعب

فيلم ريح الأوراس
فيلم ريح الأوراس

يُعد فيلم "ريح الأوراس" للمخرج محمد الأخضر حامينة من أبرز أفلام السينما الجزائرية، حيث ركز على الجانب الإنساني للثورة الجزائرية، ولم يقتصر على تصوير المعارك العسكرية، بل أبرز معاناة الأسر الجزائرية في ظل الاحتلال الفرنسي.

تدور أحداث الفيلم في جبال الأوراس، وتحكي قصة الأم زهرة، التي أدت دورها الفنانة كلثوم. تبدأ معاناتها عندما يعتقل الجيش الفرنسي ابنها بتهمة مساعدة الثوار، بينما يفقد زوجها حياته في قصف نفذته قوات الاحتلال. ومنذ تلك اللحظة، تنطلق الأم في رحلة شاقة بين معسكرات الاعتقال والمراكز العسكرية، بحثًا عن ابنها، رغم ما تواجهه من قسوة الجنود وصعوبة الطريق.

ونجح المخرج محمد الأخضر حامينة في تقديم شخصية الأم باعتبارها رمزًا لصمود الشعب الجزائري، فجسدت بإصرارها وصبرها معاناة الجزائر بأكملها خلال سنوات الثورة.

حقق الفيلم نجاحًا كبيرًا على المستوى الدولي، وفاز بجائزة أفضل عمل أول في مهرجان كان السينمائي عام 1967، كما حصل على جائزة أفضل سيناريو من مهرجان موسكو في نفس العام، ولا يزال يُعد من أهم الأفلام التي وثقت تضحيات الشعب الجزائري وكفاحه من أجل الحرية والاستقلال.

فيلم «معركة الجزائر» (1966)، للمخرج الإيطالي جيلو بونتيكورفو، الذي يُعد من أهم الأفلام السياسية في تاريخ السينما العالمية، بعدما نقل معارك المقاومة داخل أحياء القصبة بأسلوب واقعي قريب من الفيلم الوثائقي، وهو ما أدى إلى منعه من العرض في فرنسا لسنوات، حصل الفيلم على جائزة النقاد من مهرجان كان، و جائزة الأسد الذهبي من مهرجان البندقية في نفس العام.

فيلم معركة الجزائر
فيلم معركة الجزائر

كما برز فيلم «الأفيون والعصا» (1971) للمخرج أحمد راشدي، الذي تناول مقاومة سكان إحدى القرى الجزائرية لمحاولات الجيش الفرنسي إخضاعهم بالقوة. أما فيلم «وقائع سنين الجمر» (1975) للمخرج محمد الأخضر حامينة، فقد وثّق الظروف التي سبقت اندلاع الثورة، وحقق إنجازًا تاريخيًا بحصوله على جائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي، ليصبح الفيلم العربي والجزائري الوحيد الذي ينال هذه الجائزة. ومن الأعمال المهمة أيضًا فيلم «دورية نحو الشرق» (1971) للمخرج عمار العسكري، الذي أبرز تضحيات مقاتلي جيش التحرير الوطني في الجبال.


«جميلة».. فيلم سبق الإستقلال ودافع عن الثورة

فيلم جميلة 
فيلم جميلة 

يظل فيلم «جميلة» أو «جميلة بوحيرد»، الذي أنتجته وقامت ببطولته الفنانة المصرية ماجدة الصباحي عام 1958، واحدًا من أبرز الأفلام السياسية العربية التي تناولت الثورة الجزائرية.

وتكمن أهمية الفيلم في أنه أُنتج وعُرض قبل استقلال الجزائر بأربع سنوات، في وقت كانت فيه المناضلة جميلة بوحيرد تواجه حكمًا بالإعدام، ما جعل الفيلم يتجاوز كونه عملًا فنيًا ليصبح رسالة تضامن عربية ودولية مع القضية الجزائرية.

أخرج الفيلم يوسف شاهين، بينما شارك في كتابة السيناريو والحوار كل من نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي وعلي الزرقاني ووجيه نجيب. وضمت قائمة الأبطال أحمد مظهر، وصلاح ذو الفقار، ورشدي أباظة، وزهرة العلا، ومحمود المليجي، إلى جانب ماجدة الصباحي في دور جميلة بوحيرد.

أحداث الفيلم

يرصد الفيلم رحلة جميلة بوحيرد منذ انضمامها إلى صفوف جبهة التحرير الوطني، بعد أن شهدت ممارسات الاحتلال الفرنسي ضد أبناء وطنها، لتشارك في نقل الرسائل وتنفيذ المهام الفدائية.

وتتطور الأحداث باعتقالها عقب إصابتها، حيث تتعرض لأقسى أساليب التعذيب بهدف إجبارها على الاعتراف بأسماء رفاقها، لكنها ترفض الاستسلام، وتؤكد تمسكها بقضية وطنها، في أحد أكثر مشاهد الفيلم تأثيرًا.

كما يستعرض الفيلم محاكمتها أمام القضاء العسكري الفرنسي، التي انتهت بالحكم عليها بالإعدام، في حين يحاول محاميها كشف الانتهاكات التي ارتكبها الاحتلال وفضحها أمام الرأي العام.

أثر سياسي تجاوز حدود السينما

لم يقتصر تأثير فيلم «جميلة» على النجاح الفني، بل لعب دورًا سياسيًا وإعلاميًا مهمًا في التعريف بالقضية الجزائرية، إذ ساهم في إثارة تعاطف عالمي مع جميلة بوحيرد، وشجع المنظمات الحقوقية والإنسانية على ممارسة ضغوط على السلطات الفرنسية، الأمر الذي أسهم في تخفيف حكم الإعدام إلى السجن المؤبد، قبل أن تُفرج عنها عقب استقلال الجزائر.

كما عكس الفيلم حجم الدعم الذي قدمته مصر، رسميًا وشعبيًا، للثورة الجزائرية خلال تلك المرحلة، ليصبح واحدًا من أبرز الأعمال السينمائية التي جمعت بين الفن والرسالة الوطنية.

أكدت الثورة الجزائرية أن إرادة الشعوب قادرة على انتزاع الحرية مهما طال الاحتلال، بينما نجحت السينما في حفظ تفاصيل تلك الملحمة للأجيال. ويظل فيلم «جميلة» نموذجًا بارزًا لكيفية توظيف الفن في خدمة القضايا الوطنية، بعدما تحول من عمل سينمائي إلى وثيقة تاريخية أسهمت في نقل صوت الثورة الجزائرية إلى العالم.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء