الأكاديمية منارة ثقافية مصرية وجسر تواصل حضاري مع المجتمع الأوروبي
في أول حوار بعد التجديد لها.. رانيا يحيي: لـ«إيجبتك» الأكاديمية المصرية في روما أهم محطة في حياتي المهنية
من قلب العاصمة الإيطالية روما، تواصل الأكاديمية المصرية للفنون دورها كمنارة إشعاع ثقافي تحمل على عاتقها مهمة تقديم صورة متجددة لمصر أمام العالم، مزجًا بين عبق الحضارة القديمة وإبداع الحاضر المعاصر.
وفي حوار خاص لـ"إيجبنتك"، تتحدث الدكتورة رانيا يحيي مديرة الأكاديمية عن تجربتها بعد التجديد لها لفترة جديدة، مؤكدة أن الأكاديمية ليست مجرد مؤسسة ثقافية بالخارج، بل مركز دبلوماسي حضاري يعزز العلاقات المصرية الأوروبية، ويفتح أبواب التعاون أمام الفنانين والمبدعين الشباب، لتظل رمزًا للهوية المصرية في قلب أوروبا.
بداية.. بعد التجديد لك مرة أخرى كيف تصفين تجربتك مع الأكاديمية المصرية في روما؟
أصفها بأنها تجربة فريدة جدًا من نوعها، وأعتبرها أهم محطة في حياتي المهنية، فهي المرة الأولى التي أعيش فيها خارج مصر، وأمثل بلدي بشكل دبلوماسي، وأمثل وزارة الثقافة التي أنتمي إليها منذ أن كان عمري 12 عامًا، والحقيقة أن الأكاديمية في الخارج تُعد منارة ثقافية، ومن خلالها أتيحت لي فرصة الانفتاح على آفاق جديدة من التعاون مع الجانب الإيطالي والأوروبي، ودعم الدور الدبلوماسي الثقافي لمصر، كما أن دوري لم يقتصر فقط على الجانب الثقافي، بل امتد أيضًا إلى دعم صورة مصر، وتنشيط السياحة، والتواصل على مستويات متعددة، سواء ثقافية أو دبلوماسية.
الحقيقة أنني اكتسبت من خلال ذلك خبرات إدارية ومعرفية لم أمر بها من قبل، وأثرت حياتي بشكل كبير، كما منحتني حالة من التفرد والاختلاف عن النمط المعتاد في مصر، أنا سعيدة جدًا بهذه التجربة، لأنها أفادتني على المستويين الشخصي والمهني، وأعتقد أنها ستظل علامة مهمة في مسيرتي.
ما أبرز الفرص والتحديات التي وجدتها خلال عملك هناك؟ وكيف انعكس ذلك على نشاط الأكاديمية؟
البعثة المصرية في إيطاليا كانت فرصة عظيمة لي، إذ وجدت نفسي محاطة بمجموعة من أفضل الدبلوماسيين الذين يمثلون مصر بالخارج، وهذا منحني فرصة لبناء صداقات وعلاقات قوية، بحكم أننا جميعًا نعمل من أجل هدف واحد وهو تعزيز صورة مصر، ونكون صوتًا حقيقيًا لها في الخارج.
لم تخل التجربة من التحديات، من أصعبها عدم وجود ملحق مالي وإداري بالأكاديمية، وهو ما جعل المهمة أكثر صعوبة. إلى جانب ذلك، كان هناك ترشيد للنفقات، وعدم توافر ميزانية كافية لجلب فنانين ومبدعين مصريين عبر وزارة الثقافة، فاضطررت لبذل مجهود مضاعف للبحث عمّن يستطيع الحضور على نفقته الشخصية أو من خلال دعم ورعاية من جهات أخرى، ورغم ذلك، نجحت بفضل الله في توفير ملايين الجنيهات للدولة، وفي الوقت نفسه قدمنا صورة مبهرة للفن المصري بالخارج.
كنت حريصة على أن تكون الأكاديمية في حالة نشاط دائم، لذلك قدمت بشكل شبه أسبوعي أمسية ثقافية وفنية متكاملة تضم ثلاث فعاليات: معرضًا للفن التشكيلي، وندوة فكرية أو ثقافية، وحفلًا موسيقيًا؛ و هذا جعل كل أمسية بمثابة ثلاثة فعاليات في واحدة، ما خلق حالة كبيرة من الزخم والحضور، اليوم، يمكنني القول إن الأكاديمية أصبحت محط إشادة من الجميع، سواء داخل إيطاليا أو من مؤسسات ثقافية في دول أوروبية أخرى.
كيف توفقين بين العمل الإداري والمسؤوليات الإبداعية التي ترتبط بشخصيتك الفنية؟
التوفيق بين الاثنين بالنسبة لي أمر طبيعي، لأنني فنانة في الأساس، خلفيتي الموسيقية والثقافية والمعرفية منحتني قدرة على اختيار الفنانين والمبدعين الذين يمثلون مصر في الأكاديمية، وكذلك على انتقاء الأعمال التي نقدمها.
العمل الإداري هو الشق اليومي الذي يفرض نفسه بحكم المسؤولية، أما الجانب الإبداعي فهو الشق الحسي المزروع بداخلي، والذي يجعلني أرى الصورة برؤية أشمل وأوسع. هذا الجانب الإبداعي هو ما يساعدني على أن أجعل من الإدارة عملاً خلاقًا، وليس مجرد إجراءات روتينية، و لا أرى بين الاثنين تعارضًا، بل تكاملًا يغني تجربتي ويثري المؤسسة.
في رأيك.. ما الذي يميز الأكاديمية المصرية عن غيرها من المؤسسات الثقافية في أوروبا؟
ما يميز الأكاديمية في الأساس هو هويتها المصرية؛ فهي مؤسسة تحمل علم مصر، وتقدم نفسها بشكل ومضمون يعكس الشخصية المصرية بكل خصوصيتها، إلى جانب ذلك، ما يحدث في الفترة الأخيرة من زخم كبير في الأنشطة، والتعاون مع مؤسسات أوروبية وإيطالية، وفتح جسور جديدة للتواصل، جعل الأكاديمية أكثر تميزًا، نحن لا نقدم فقط الفنون المصرية، بل نفتح المجال لتبادل الفنون بين مصر وإيطاليا، وكذلك مع فنانين من جنسيات أوروبية أخرى، مما يخلق حوارًا ثقافيًا واسعًا ومتنوعًا.
الأكاديمية هنا ليست مجرد مؤسسة ثقافية في إيطاليا، بل هي مركز اتصال لمصر مع أوروبا كلها، ولهذا فهي بالفعل مختلفة ومتفردة، سواء في الشكل أو المضمون، والأهم أنها دائمًا تحمل اسم مصر وهويتها في قلب أوروبا.
ما الرؤية التي تسعين لتحقيقها من خلال الأكاديمية المصرية؟
رؤيتي أن تظل الأكاديمية دائمًا منارة إشعاع ثقافي لمصر في إيطاليا وأوروبا، وأن تكون جسرًا يربط بين الماضي والحاضر، نحن نحرص دائمًا على أن نُبرز الحضارة المصرية القديمة بكل ما تحمله من عظمة، لكن في الوقت نفسه نهتم بالفن والإبداع المصري المعاصر، ليكون صورة حيّة وحديثة تعكس نبض مصر اليوم.
أما عن الشراكات الدولية، فمنذ وصولي وأنا أعمل على توسيعها بشكل مستمر، بالفعل لدينا تعاونات مع عدد من أكبر الجامعات الإيطالية، إلى جانب شراكات مع أكاديميات ومؤسسات عريقة في مجالات الفنون والثقافة، نفذنا برامج ومبادرات مشتركة كثيرة، ونسعى دومًا إلى ابتكار صيغ جديدة للتعاون تضمن تبادل الخبرات وتعزيز الحضور المصري في الساحة الثقافية الأوروبية.
كيف تعمل الأكاديمية على تقديم صورة واقعية ومعاصرة لمصر من خلال أنشطتها؟
الأكاديمية حريصة على أن تقدم دائمًا صورة حيّة ومعاصرة لمصر، وذلك عبر برنامج متنوع من الحفلات والأنشطة والفعاليات التي نقيمها باستمرار، وهذه الفعاليات لا تقتصر فقط على إبراز الفنون المصرية، بل نحرص أيضًا على خلق حوار ثقافي من خلال دعوة أساتذة وفنانين ومبدعين ونقاد من إيطاليا وأوروبا، للتفاعل مع ما يقدمه الفن المصري؛ وبهذا المزج بين العروض المصرية ورؤى المثقفين والفنانين الأوروبيين، نتمكن من إبراز صورة متكاملة عن مصر بين الماضي العريق والحاضر المبدع والفن المعاصر، وبهذا الشكل تظل الأكاديمية جسرًا يعكس الواقع المصري بثقافته وإبداعاته للعالم.
ما أبرز المبادرات والبرامج التي قدمتها الأكاديمية خلال الفترة الماضية لدعم الشباب والمواهب؟
في الحقيقة لم تكن كلها مبادرات بالمعنى التقليدي، وإنما ورش عمل فنية وتدريبية استهدفت بالأساس فتح آفاق للمواهب الصغيرة والشابة المصرية والعربية، وعلى سبيل المثال: استضفنا الفنانة لقاء سويدان والفنانة سلوى محمد علي، وكل منهما قدمت ورشة فنية متميزة حققت تفاعلًا كبيرًا مع المشاركين، ونظمنا مبادرة عن الأكاديمية المصرية والحضارة العربية، وأخرى بعنوان مصر وإيطاليا والجوار الأكاديمي، هدفت لتعزيز الحوار الثقافي، وكان هناك تعاون مهم مع مدرسة نجيب محفوظ في ميلانو، حيث أقمنا مسابقات وأنشطة ثقافية وفنية تحمل اسم الأديب العالمي، وهو ما دعم أيضًا المواهب من الشباب المصري والعربي المقيم في إيطاليا.
هل تستقبل الأكاديمية الطلاب والفنانين المقيمين بشكل مستمر؟
الأكاديمية أبوابها مفتوحة دائمًا أمام الطلاب والفنانين، حيث نوفر لهم ورش عمل وأنشطة متنوعة، ونمنحهم بيئة ثقافية وفنية تساعدهم على التعبير والإبداع، و يسعدنا دومًا تواجدهم ومشاركتهم في الفعاليات، كما نحرص على الاستماع لاحتياجاتهم ودعم مسيرتهم.
أخيراً ما الدور الذي تلعبه الأكاديمية المصرية في روما لتعزيز العلاقات الثقافية بين مصر وإيطاليا وأوروبا؟
الأكاديمية تمثل منارة ثقافية مصرية فريدة ليس لها مثيل في أوروبا، فهي بمثابة جسر تواصل حضاري بين مصر وإيطاليا والمجتمع الأوروبي بشكل عام، وبوجودها في قلب العاصمة الإيطالية روما، أصبحت الأكاديمية مركزًا رئيسيًا لـ"الدبلوماسية الثقافية"، حيث تعمل على:
- تعزيز العلاقات الثقافية بين مصر وإيطاليا عبر تنظيم فعاليات مشتركة ومبادرات نوعية.
- فتح آفاق جديدة للفنانين والمبدعين المصريين من خلال الحفلات، العروض، والمعارض الدولية.
- توفير منح ودعم للفنانين الحاصلين على جوائز الدولة، بما يمنحهم فرصة الدراسة والتعلم والانخراط في بيئات إبداعية أوروبية.
- إشراك المبدعين المصريين في المهرجانات والشراكات الدولية، لعرض إبداعهم وإبراز الهوية المصرية المعاصرة.
- التأكيد على قيمة الفن كسلاح حضاري قادر على مواجهة التطرف والإرهاب بالفكر والجمال والإبداع.
تجديد تكليف الدكتورة رانيا يحيي
وفي وقت سابق؛ أصدرت القيادة السياسية العليا قرارًا بتجديد تكليف الدكتورة رانيا يحيى مديرًا للأكاديمية المصرية للفنون في العاصمة الإيطالية روما، وذلك تقديرًا لدورها البارز في تعزيز الحضور الثقافي والفني المصري على الساحة الدولية، وتأكيدًا لجهودها المستمرة في دعم التواصل الثقافي بين مصر وإيطاليا.