رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بين الموهبة والصلابة الذهنية.. لماذا تتعثر المنتخبات في لحظات الحسم؟

كأس العالم
كأس العالم

أعاد التصريح الذي أدلى به رودي جارسيا، المدير الفني لمنتخب بلجيكا، عقب الفوز الدراماتيكي على السنغال في ثمن نهائي كأس العالم 2026، فتح نقاش قديم متجدد في كرة القدم الحديثة حول أسباب تعثر بعض المنتخبات عندما تقترب من لحظات الإنجاز.

جارسيا لم يكتف بالحديث عن العودة من التأخر بهدفين إلى انتصار مثير، بل قدّم قراءة فنية مثيرة للجدل، أشار فيها إلى أن جهازه الفني كان يتوقع تراجع المنتخب السنغالي في الدقائق الأخيرة دفاعيًا، بدلًا من الحفاظ على نفس النهج الهجومي.

ورغم أن البعض رأى في التصريح امتدادًا لنظرة أوروبية نمطية تجاه المنتخبات غير الأوروبية، فإن آخرين اعتبروه مدخلًا لنقاش أعمق يتعلق بإدارة اللحظات الحاسمة في كرة القدم، وهي مسألة تتكرر مع منتخبات عديدة في القارات المختلفة.

الضغط الذهني المرتبط بالنجاح

المسألة هنا لا تتعلق بجودة المواهب أو نقص الإمكانات الفنية، فمنتخبات أفريقيا وآسيا أثبتت عبر التاريخ قدرتها على مقارعة الكبار وتقديم مباريات استثنائية، بل وصناعة مفاجآت مدوية في كأس العالم، لكن الإشكال يظهر غالبًا في اللحظات التي يقترب فيها الإنجاز من التحقق، حيث تتحول المباراة من اختبار فني إلى اختبار نفسي معقد.

في هذه اللحظات، يصبح “الخوف من الفوز” عاملًا مؤثرًا، إذ يطغى القلق من فقدان النتيجة على الرغبة في مواصلة الأداء ذاته الذي أوصل الفريق إلى التقدم، بعض الأدبيات النفسية تفسر ذلك بما يشبه الضغط الذهني المرتبط بالنجاح، حيث يتحول الهدف القريب إلى عبء بدلًا من كونه دافعًا للاستمرار.

تحت هذا الضغط، يتغير سلوك الفريق داخل الملعب بشكل ملحوظ؛ يتراجع خط الوسط، تقل شراسة الضغط، وتتباعد الخطوط، فيفقد الفريق قدرته على التحكم في الإيقاع، هذا التراجع لا يكون دائمًا قرارًا تكتيكيًا من المدرب، بل أحيانًا استجابة تلقائية لحالة القلق داخل أرضية الملعب.

النتيجة المباشرة لذلك أن المنافس يستعيد زمام المبادرة، مستفيدًا من المساحات والوقت والثقة، ليبدأ في فرض إيقاعه تدريجيًا. ومع أول هدف، يتحول المشهد بالكامل من سيطرة نسبية إلى صراع نفسي مفتوح، قد ينتهي بانهيار كامل في بعض الحالات.

لكن التراجع الدفاعي في حد ذاته ليس خطأ تكتيكيًا دائمًا، فمنتخبات كبرى مثل إيطاليا والأرجنتين بنت نجاحاتها على القدرة على إدارة التقدم بذكاء. الفارق الحقيقي لا يكمن في التراجع، بل في “كيفيته”، فهناك فرق بين تراجع منظم يحافظ على التماسك، وتراجع ارتجالي يتحول إلى فوضى دفاعية.

في النموذج الأول، تبقى المنظومة الدفاعية متماسكة، وتظل هناك حلول واضحة عند استعادة الكرة، سواء عبر الهجمات المرتدة أو تهدئة اللعب. أما في النموذج الثاني، فيصبح التخلص من الكرة هدفًا بحد ذاته، ما يضع الفريق تحت ضغط متواصل حتى تنهار المنظومة تدريجيًا.

التاريخ الكروي

هذه الظاهرة لا تقتصر على منتخبات قارة بعينها، فالتاريخ الكروي مليء بأمثلة من أوروبا وأمريكا الجنوبية لفرق فقدت مباريات كانت في متناولها بسبب سوء إدارة اللحظات الأخيرة، لكن حدتها تظهر بشكل أكبر لدى المنتخبات التي تقترب من إنجاز تاريخي غير مسبوق، حيث تتضاعف الضغوط النفسية وتتحول المباراة إلى اختبار يتجاوز الجوانب الفنية.

المنتخبات التي اعتادت المنافسة على أعلى مستوى تتعامل مع هذه اللحظات باعتبارها جزءًا طبيعيًا من إيقاع المباريات، بينما قد تنظر إليها فرق أخرى باعتبارها لحظة استثنائية يجب حمايتها بأي ثمن، وهو ما يغير طريقة اتخاذ القرار داخل الملعب.

من هنا يظهر الفارق بين الخبرة التنافسية والخبرة التكتيكية؛ فالأولى ترتبط بالقدرة على التعامل مع الضغط، بينما الثانية تتعلق بمعرفة الواجبات الخططية. وعندما يختل التوازن بينهما، تظهر المشكلات في اللحظات الحاسمة.

ورغم التطور الكبير الذي شهدته كرة القدم في أفريقيا وآسيا خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الاحتراف أو جودة اللاعبين أو البنية التكتيكية، فإن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في الانتقال من مرحلة “صناعة المفاجأة” إلى مرحلة “صناعة الإنجاز المستمر”.

فالمفاجأة يمكن أن تتحقق في مباراة واحدة، لكن البطولات تُحسم عبر القدرة على الحفاظ على الهوية الذهنية والتكتيكية في كل لحظة، خاصة عندما يصبح الحلم قريبًا من التحقق.

وفي النهاية، فإن مثل هذه التصريحات المثيرة للجدل لا يجب أن تُقرأ كإهانة بقدر ما يمكن اعتبارها مرآة لنقاش أوسع حول كرة القدم الحديثة. فبين الموهبة التي تصنع اللحظة، والصلابة الذهنية التي تصنع التاريخ، تظل هناك خطوة فاصلة تحدد من يكتفي بالمفاجأة، ومن يصنع المجد بشكل مستمر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء