رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

في ذكرى رحيله.. توماس جفرسون صائغ الحريات والسياسات في مرآة الفن

توماس جفرسون
توماس جفرسون

تحل اليوم ذكرى رحيل أحد أبرز الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها الثالث، توماس جفرسون صاحب البصمة الخالدة في التاريخ السياسي الأمريكي، ولإنجازاته خلده التاريخ كأحد أعظم القادة المفكرين في التاريخ الإنساني الحديث، وهو ما ألهم صناع السينما لتجسيد تلك الشخصية صاحبة العقلية الفذة في أعمال فنية.

 

البدايات

 

ولد توماس جفرسون في الثالث عشر من أبريل عام 1743 في منطقة شادويل الواقعة بجمهورية فرجينيا الاستعمارية، ونشأ في كنف عائلة أرستقراطية تمتلك مساحات شاسعة من الأراضي، مما أتاح له فرصة ذهبية لتلقي أرقى أنواع التعليم المتاحة في عصره، والتحق بجامعة ويليام وماري حيث انغمس في دراسة القانون والفلسفة والعلوم الطبيعية واللغات الكلاسيكية.

وكان جفرسون يمتلك عقلا موسوعيا فذا، ولم يكتف بالجانب النظري بل كان معماريا بارعا ومخترعا هاويا، وتأثر بشكل عميق ومباشر بأفكار عصر التنوير الأوروبي، ولا سيما فلسفة جون لوك حول الحقوق الطبيعية، وكتابات فولتير ومونتسكيو، هذا الأساس المعرفي الصلب شكل عقيدته السياسية الباكرة القائمة على إعلاء الحرية الفردية ومقاومة السلطوية بكافة أشكالها.

صعد جفرسون سريعا في المشهد السياسي المحلي لولاية فرجينيا كعضو في مجلس النواب، حيث لفت الأنظار بقدرته الفائقة على الكتابة السياسية الرصينة والبليغة التي تترجم تطلعات الجماهير الغاضبة من السياسات الاستعمارية البريطانية، مما جعل منه صوتا وازنا لا يمكن تجاهله في مسيرة التحرر الوطني والسياسي للبلاد.

 

إعلان الاستقلال والعبقرية الدبلوماسية

 

تعتبر المحطة الأبرز في مسيرته السياسية المبكرة هي مشاركته في الكونغرس القاري الثاني عام 1776، حيث تم اختياره لعضوية لجنة خماسية مكلفة بصياغة مسودة إعلان رسمي للانفصال الدستوري والسياسي عن بريطانيا العظمى، ونظرا لبلاغته المشهود لها، أُوكلت إليه بمفرده مهمة كتابة النص الأساسي لـ "إعلان الاستقلال الأمريكي".

 

وعند عودته إلى أرض الوطن، اختاره الرئيس جورج واشنطن ليكون أول وزير خارجية في تاريخ الإدارة الفيدرالية الأمريكية، ثم تولى لاحقا منصب نائب الرئيس في عهد جون آدامز، حيث قاد المعارضة الفكرية والسياسية ضد التوجهات المركزية الصارمة للحزب الفيدرالي.

 

الحقبة الرئاسية والإنجازات

 

تولى توماس جفرسون رئاسة الولايات المتحدة في عام 1801 بعد انتخابات عاصفة، وامتدت فترة حكمه لولايتين متتاليتين حتى عام 1809، وطبق خلالها رؤيته السياسية المعروفة باسم "الديمقراطية الجفرسونية"، وبعد انتهاء ولايته الرئاسية الثانية، رفض جفرسون الترشح لولاية ثالثة مسيرا على خطى واشنطن، وكرس العقدين الأخيرين من عمره للعمل الفكري والتعليمي، وكان تتويج هذه الجهود هو تأسيسه لجامعة فرجينيا عام 1819، حيث وضع مناهجها التعليمية وصمم مبانيها المعمارية الفريدة، جاعلا منها أول جامعة أمريكية علمانية تفصل تماما بين العلوم والدين.

 

ومع تقدمه في السن، تدهورت حالته الصحية واشتدت عليه الأزمات المالية، إلا أن توهجه العقلي لم ينطفئ، وفي مفارقة مذهلة هزت أركان الأمة الأمريكية، توفي توماس جفرسون في فراشه في الرابع من يوليو عام 1826 عن عمر ناهز 83 عاما. 

 

 

الحضور السينمائي الكلاسيكي

 

ولم يكن توماس جفرسون مجرد اسم في كتب التاريخ، بل تحول إلى مادة غنية لصناع السينما والتلفزيون الذين سعوا لتفكيك شخصيته المركبة،و من أبرز الأعمال التي حاولت تقديم رؤية درامية متكاملة لحياته، فيلم "Jefferson in Paris" عام 1995، حيث جسد النجم العالمي نيلسون سينيور شخصية جفرسون خلال فترة عمله كسفير في فرنسا، وركز الفيلم على الجوانب الإنسانية والعاطفية المعقدة في حياته، محاولا استكشاف التناقض بين مبادئه التنويرية وحياته الشخصية، وهو ما فتح الباب لنقاشات نقدية واسعة حول واقعية التناول الدرامي للشخصيات التاريخية.

 

الملاحم التاريخية التلفزيونية

 

وفي عالم الدراما التلفزيونية المصغرة، برزت شخصية جفرسون كركيزة أساسية في الأعمال التي تؤرخ لنشأة الولايات المتحدة، في المسلسل الشهير "John Adams" عام 2008، قدم الممثل ستيفن ديلان أداء مبهرا ومدروسا لشخصية جفرسون، وركز العمل على العلاقة الفكرية والسياسية المتأرجحة بينه وبين جون آدامز، حيث أظهر المسلسل كبرياء جفرسون الفكري وهدوءه الحذر والتحول الدراماتيكي في علاقته برفقاء التأسيس، مما جعل هذا التجسيد واحداً من أكثر الأدوار دقة وقربا للواقع بحسب المؤرخين.

 

إعادة الابتكار في "هاميلتون"

 

أما التحول الأبرز والأكثر عصرية في تجسيد جفرسون، فكان من نصيب المسرح الغنائي عبر مسرحية برودواي الشهيرة "Hamilton"للمؤلف لين مانويل ميراندا، وفي هذا العمل، أحدث الممثل ديفيد ديجز ثورة في تقديم الشخصية، حيث ظهر جفرسون برؤية معاصرة ومختلفة تماما تعتمد على موسيقى الهيب هوب والـ R&B، وتم تقديم جفرسون في هذا العرض بأسلوب استعراضي مفعم بالحيوية، يمزج بين الذكاء السياسي الحاد والغرور الكاريزمي، مما جذب الأجيال الجديدة لإعادة استكشاف تاريخه وصراعاته السياسية مع ألكسندر هاميلتون بطريقة غير تقليدية.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء