سر تسمية أعلى قمة في العالم بجبل إيفرست.. حكاية المساح الذي خلد اسمه
تحل اليوم ذكرى ميلاد المساح الويلزي جورج إيفرست، الرجل الذي ارتبط اسمه بأعلى قمة جبلية في العالم، بعدما تحولت سنوات طويلة من العمل والقياسات الدقيقة إلى إرث علمي كبير، جعل اسمه يبقى حاضرًا في الجغرافيا والتاريخ حتى اليوم، رغم أن تسمية الجبل باسمه جاءت بعد سنوات من انتهاء مهمته.
ميلاد جورج إيفرست وبداية رحلته
ولد جورج إيفرست في الرابع من يوليو عام 1790، وبدأ اهتمامه بعلم المساحة والهندسة منذ سنوات دراسته الأولى داخل المدرسة العسكرية في إنجلترا، حيث أظهر تفوقًا واضحًا في العلوم الهندسية، الأمر الذي ساهم في توجيه مسيرته المهنية نحو مجال رسم الخرائط والقياسات الجغرافية، ومع بداية حياته العملية، انتقل للعمل في مناطق مختلفة خاض خلالها تجارب عديدة ساهمت في تطوير خبراته، وأصبح تدريجيًا واحدًا من أبرز الأسماء في مجال المسح الجغرافي داخل الإمبراطورية البريطانية.
رحلته الطويلة في الهند
في عام 1823 تولى جورج إيفرست منصب المشرف على أعمال المسح في الهند، وبعد سنوات قليلة حصل على منصب المسّاح العام للهند، وهو المنصب الذي أتاح له الإشراف على واحد من أكبر المشاريع الجغرافية في ذلك الوقت، وخلال عمله، قاد عمليات واسعة لإعداد خرائط دقيقة لشبه القارة الهندية، وهو مشروع لم يكن سهلًا في ظل الطبيعة الجغرافية المعقدة للمنطقة، حيث كان على فرق العمل عبور الغابات الكثيفة والجبال المرتفعة والصحاري والمناطق ذات الظروف المناخية القاسية.
كما تعرض خلال سنوات عمله لأزمات صحية أثرت على مسيرته لفترة من الوقت، إذ أصيب بالمرض في إحدى المراحل، ما أدى إلى توقف أعمال المسح مؤقتًا قبل أن يعود مجددًا لاستكمال عمله، لم يقتصر دور جورج إيفرست على أعمال المسح ورسم الخرائط، بل كان أيضًا مهندسًا ومخترعًا، حيث أدخل العديد من التعديلات والتطويرات على أدوات القياس المستخدمة في ذلك الوقت.
وعملت الفرق التي كان يشرف عليها على تنفيذ قياسات دقيقة للغاية امتدت من جبال الهيمالايا حتى المناطق الجنوبية من شبه القارة الهندية، وهو ما اعتبر إنجازًا كبيرًا بالنظر إلى الإمكانات المحدودة المتاحة في ذلك العصر، حيث لم تكن هناك أقمار صناعية أو أجهزة ليزر أو صور جوية متطورة كما هو الحال اليوم.
وكان إيفرست معروفًا بدقته الشديدة، إذ لم يكن يكتفي بإنجاز المهمة بشكل سريع، بل كان يحرص على مراجعة النتائج والتأكد من صحة البيانات قبل اعتمادها، الأمر الذي ساهم في إنتاج خرائط تعد من الأدق في تاريخ الهند آنذاك.
كيف حصل جبل إيفرست على اسمه؟
تقاعد جورج إيفرست من عمله عام 1843 بعد سنوات طويلة من العمل الشاق، إلا أن اسمه لم يتوقف عند حدود الخرائط والمشروعات الجغرافية، وفي عام 1852 توصل عالم الرياضيات رادهاناث سيخدار، الذي كان يعمل ضمن مشروع المسح المثلثي العظيم في الهند، إلى أن إحدى قمم جبال الهيمالايا تمثل أعلى نقطة معروفة على سطح الأرض.
وأرسل نتائج اكتشافه إلى أندرو سكوت الذي تولى منصب المسّاح العام للهند بعد جورج إيفرست، وبعد عدة سنوات قرر سكوت إطلاق اسم "إيفرست" على أعلى قمة في العالم تقديرًا للدور الكبير الذي لعبه جورج إيفرست في تطوير أعمال المسح الجغرافي.
أسماء أخرى للجبل قبل إيفرست
ورغم شهرة الاسم الحالي عالميًا، فإن الجبل كان يحمل أسماء أخرى لدى السكان المحليين قبل ذلك بسنوات طويلة، فقد كان يعرف لدى التبتيين باسم "تشومولونغما"، بينما أطلق عليه النيباليون اسم "ساجارماثا"، إلا أن الاسم الإنجليزي "إيفرست" أصبح الأكثر انتشارًا بعد اعتماده رسميًا، ومن المفارقات أن جورج إيفرست نفسه لم يكن متحمسًا لفكرة إطلاق اسمه على الجبل، إلا أن القرار استمر وأصبح الاسم المعتمد عالميًا.
نهاية حياة جورج إيفرست
بعد سنوات قليلة من إطلاق اسمه على أعلى قمة في العالم، حصل جورج إيفرست على لقب "فارس" من الملكة فيكتوريا تقديرًا لما قدمه من إنجازات علمية كبيرة لصالح بريطانيا، وفي عام 1866 توفي جورج إيفرست في إنجلترا، بعد رحلة طويلة من العمل والإنجازات، لكنه ترك وراءه إرثًا علميًا وجغرافيًا كبيرًا، ظل حاضرًا حتى اليوم من خلال الاسم الذي يحمله أعلى جبل على سطح الأرض.