من القبة الحرارية لـ حاجز أوميجا.. هل يعيد المناخ صياغة اقتصاد العالم؟
قال الدكتور محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، أن ما تشهده أوروبا خلال صيف 2026 لم يعد مجرد موجة حر استثنائية، بل يمثل تحولًا استراتيجيًا يعيد صياغة خريطة الاقتصاد العالمي، بعدما أصبح المناخ العامل الأكثر تأثيرًا في الزراعة والصناعة والتجارة الدولية.
وأوضح فهيم، خلال منشور على صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، أن الارتفاع القياسي في درجات الحرارة داخل عدد من دول أوروبا الغربية والوسطى، والتي تجاوزت 40 درجة مئوية، يعكس دخول العالم مرحلة جديدة تتداخل فيها الأبعاد المناخية مع القرارات الاقتصادية والتجارية، لتصبح التغيرات المناخية عنصرًا حاسمًا في مستقبل الإنتاج وسلاسل الإمداد العالمية.
القبة الحرارية وحاجز أوميجا
وأشار رئيس مركز تغير المناخ، إلى أن السبب الرئيسي وراء هذه الموجة يتمثل في تشكل ما يعرف بالقبة الحرارية الناتجة عن نمط جوي يسمى حاجز أوميجا، وهو نظام ضغط جوي مرتفع يعمل كغطاء يحبس الهواء الساخن فوق القارة الأوروبية، ويمنع وصول الكتل الهوائية الباردة القادمة من المحيط الأطلسي، وهذا النمط الجوي يحول موجات الحر من ظواهر قصيرة إلى حالات مناخية قد تستمر لأيام أو حتى أسابيع، وهو ما يزيد من حدة التأثيرات البيئية والاقتصادية، خاصة مع تكرار هذه الظواهر بصورة غير مسبوقة خلال السنوات الأخيرة.
وأكد أن هذه التطورات تتوافق مع تقارير خدمة كوبرنيكوس الأوروبية للمناخ، التي أشارت إلى أن أوروبا أصبحت أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، بمعدل يتجاوز ضعف المتوسط العالمي تقريبًا، فيما سجلت أكثر من 95% من مساحة القارة درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية خلال العام الماضي.
ارتفاع الحرارة يهدد الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي
وأوضح فهيم أن التأثير الحقيقي لموجات الحر لا يقتصر على صحة الإنسان أو اندلاع الحرائق، وإنما يمتد بصورة مباشرة إلى القطاع الزراعي، حيث يؤدي تجاوز درجات الحرارة للحدود الحرجة للمحاصيل إلى انخفاض كفاءة التمثيل الضوئي، وزيادة معدلات التنفس النباتي، وارتفاع معدلات البخر والنتح بنسبة قد تصل إلى 40%.
وأشار إلى أن هذه الظروف تؤثر أيضًا على عمليات التلقيح والإخصاب، خاصة في محاصيل الحبوب والخضر والفاكهة، وهو ما ينعكس في انخفاض الإنتاجية الزراعية بصورة ملحوظة، موضحًا أن ارتفاع متوسط الحرارة بمقدار درجة مئوية واحدة خلال المراحل الحرجة للنمو قد يؤدي إلى تراجع إنتاجية بعض المحاصيل بنسبة تتراوح بين 5 و10%، بينما ترتفع خسائر الذرة والقمح بصورة أكبر عند تزامن موجات الحر مع نقص الرطوبة.
ضريبة الكربون تغير قواعد التجارة الدولية
وأشار رئيس مركز معلومات تغير المناخ إلى أن المفارقة تتمثل في أن أوروبا، رغم معاناتها من الخسائر المناخية، بدأت منذ عام 2026 التطبيق المالي الإلزامي لآلية تعديل حدود الكربون "CBAM"، التي تعد من أكثر السياسات التجارية تأثيرًا على الاقتصاد العالمي، وهذه الآلية أحدثت تحولًا جذريًا في مفهوم الرسوم الجمركية، إذ لم تعد مرتبطة فقط بقيمة السلعة أو بلد المنشأ، وإنما أصبحت تعتمد أيضًا على كمية الانبعاثات الكربونية الناتجة عن إنتاجها.
وأضاف أن المستوردين أصبحوا مطالبين بشراء شهادات كربونية تعادل الانبعاثات المصاحبة للسلع المستوردة وفقًا لسعر الكربون في نظام تداول الانبعاثات الأوروبي، والذي يتراوح حاليًا بين 70 و95 يورو للطن، مع توقعات باستمرار ارتفاعه خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا أن التطبيق الحالي يشمل قطاعات الحديد والصلب والأسمنت والأسمدة والألومنيوم والهيدروجين والكهرباء، بينما تتجه أوروبا إلى توسيع نطاق الآلية تدريجيًا ليشمل المزيد من المنتجات وسلاسل القيمة.
الكربون أصبح معيارًا جديدًا للمنافسة الاقتصادية
ولفت إلى أن الرسالة الأوروبية أصبحت واضحة أمام جميع الدول المصدرة، وهي أن جودة المنتج وسعره لم يعودا وحدهما معيار الدخول إلى الأسواق الأوروبية، بل أصبحت البصمة الكربونية للمنتج عنصرًا أساسيًا في المنافسة، حيث أن الكربون تحول إلى تكلفة إنتاج لا تقل أهمية عن الطاقة أو العمالة أو النقل، وهو ما يعني انتقال المناخ من كونه قضية بيئية إلى أداة رئيسية لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية.
وأكد الدكتور محمد علي فهيم، أن هذه التحولات تمثل فرصة واعدة لمصر، خاصة في ظل الضغوط المناخية التي تواجه الإنتاج الزراعي الأوروبي، موضحًا أن الموقع الجغرافي القريب من الأسواق الأوروبية، واختلاف المواسم الزراعية، والخبرة الطويلة في تصدير الحاصلات، والتوسع في الزراعة الحديثة والصوب الزراعية، تمنح مصر مزايا تنافسية قوية.
وأشار إلى أن الحفاظ على هذه الميزة يتطلب عدم الاكتفاء بزيادة الإنتاج أو تحسين الجودة، وإنما إثبات أن المنتجات المصرية منخفضة الانبعاثات الكربونية، بما يتوافق مع المتطلبات الأوروبية الجديدة.
خطوات ضرورية لتعزيز القدرة التنافسية
وأوضح أن تحقيق هذا الهدف يستدعي الإسراع في إنشاء منظومة وطنية متكاملة تشمل تطبيق نظم القياس والإبلاغ والتحقق من الانبعاثات، وإصدار شهادات البصمة الكربونية للمنتجات الزراعية والصناعية، والتوسع في استخدام الطاقة المتجددة داخل سلاسل الإنتاج، وتعميم ممارسات الزراعة الذكية مناخيًا، إلى جانب تطوير سوق كربون وطني يتوافق مع المعايير الدولية، ودمج ملف الكربون ضمن استراتيجية التصدير المصرية، مؤكدًا أن نجاح مصر في تقديم منتجات عالية الجودة منخفضة الانبعاثات وقابلة للتتبع والاعتماد سيمنحها قدرة تنافسية كبيرة داخل السوق الأوروبية، ليس فقط من خلال السعر، وإنما عبر الالتزام بأحد أهم معايير التجارة العالمية خلال السنوات المقبلة.
وتابع أن العالم دخل بالفعل مرحلة جديدة أصبحت فيها درجات الحرارة تحدد حجم الإنتاج، بينما أصبح الكربون أحد أهم محددات التجارة العالمية، وأصبح المناخ يعيد رسم خريطة الاقتصاد الدولي، مشيرًا إلى أن الفرصة الحقيقية أمام مصر تكمن في الاستثمار في العقول الوطنية والاستفادة من خبرات العلماء والباحثين في التخطيط وصنع القرار، مؤكدًا أن الدول التي ستقود الاقتصاد العالمي مستقبلًا ليست فقط الأكثر امتلاكًا للموارد، بل الأكثر قدرة على توظيف العلم والابتكار لإنتاج غذاء وصناعة منخفضي الكربون وقادرين على مواجهة تحديات تغير المناخ، بما يجعل مصر شريكًا استراتيجيًا لأوروبا في عصر التجارة المناخية إذا أحسنت الاستعداد لهذا التحول العالمي.







