شخصية المتدين على الشاشات.. محطات من الوعظ إلى وعي 30 يونيو
شكلت شخصية المتدين ورجل الدين على شاشات السينما والتليفزيون، مرآة حية للتحولات الفكرية والسياسية التي مرت بها البلاد، ومر هذا التمثيل الإيجابي والسلبي بمحطات مفصلية، بدءا من النماذج التقليدية الهامشية، ووصولا إلى مرحلة الصدام الفكري والتوثيق التاريخي الذي فرضته ثورة 30 يونيو 2013، كحدث تاريخي أعاد صياغة مفهوم الهوية والوعي الجمعي في مواجهة توظيف الدين سياسيا.
محطات تغير الشخصية فنيا
عاش تمثيل المتدين في السينما والدراما عقودا من التذبذب، ففي السينما الكلاسيكية، ظهر رجل الدين إما في قالب وعظي مثالي، أو كشخصية ثانوية بسيطة مثل "الشيخ" الذي يبارك الزواج ويفض النزاعات.
ومع صعود جماعات الإسلام السياسي وتنامي موجات العنف في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بدأت الأعمال الفنية تلتفت بجرأة لظاهرة التطرف، ظهرت معالجات قوية مثل فيلم "الإرهابي" عام 1994 ومسلسل "العائلة" في العام ذاته، اللذين ناقشا كيف يتم غسل أدمغة الشباب باسم المظهر الديني .. ورغم عمق تلك الأعمال، إلا أن التمثيل السينمائي في تلك الحقبة غالبا ما عابته السطحية، حيث انحصرت صورة المتشدد في نمط خارجي جامد (الجلباب القصير واللحية الكثيفة) دون الغوص بعمق في التناقضات النفسية المعقدة للشخصية.
نقطة التحول الدرامي
ومثل عام 2013 ذروة الاحتقان السياسي في الشارع المصري، وانعكس ذلك بوضوح على الشاشة خلال مواسم العرض الرمضانية التي تزامنت مع فترة ما بعد الثورة، منها ما قدمه الكاتب وحيد حامد في مسلسل "بدون ذكر أسماء" عام 2013، تشريحا دقيقا لـ"الشيخ شفيع"، مبرزا كيف تخدع المظاهر الدينية واللحية والسمات الشكلية البسطاء في الأحياء الشعبية لتحقيق النفوذ والسيطرة، وتزامن هذا الطرح المباشر مع الحراك الشعبي في 30 يونيو، حيث أصبح الفن شريكا أصيلا في التعبير عن رفض تسييس الدين واختطاف الهوية الوطنية.
وعقب ثورة 30 يونيو، تجاوز الفن مرحلة الرمزية والمراقبة الوعظية عن بعد، وانتقل مباشرة إلى التوثيق التاريخي والواقعي، مدفوعا بضرورة حماية الذاكرة الوطنية من التشويه، وتجلى هذا التحول في ثلاثة مسارات أساسية، الواقعية والتشريح الإنساني كما قدمه فيلم "اشتباك" عام 2016،من معالجة إنسانية فريدة من داخل عربة ترحيلات، حيث وضع المتدين المنتمي لجماعة الإخوان وجها لوجه مع تيارات المجتمع الأخرى، مستعرضا الصراع الفكري والنفسي دون تجميل أو قولبة نمطية، وكشف كواليس صناعة الإرهاب كماتطرق فيلم "جواب اعتقال" عام 2017، إلى البناء السيكولوجي لشخصية المتطرف، مستعرضا الظروف النفسية التي تدفع الشباب إلى الانزلاق في هذا المسار، وكيف تستغل طاقة التدين لغسل الأدمغة وتوجيهها ضد الدولة، والتوثيق الملحمي وصدمة الحقيقة كما في مسلسل "الاختيار 3"، الذي دمج العمل الدراما التلفزيونية بالمشاهد الوثائقية الحية، ليبرز التناقض الصارخ بين خطاب قيادات الجماعة الدينية خلف الأبواب المغلقة والقائم على التهديد بالعنف وسفك الدماء، وبين المصلحة الوطنية وحق الشعب في تقرير مصيره.
وقد ساهمت ثورة 30 يونيو بشكل أو بآخر، ترتيب الأوراق الفنية في مصر، فلم يعد تقديم شخصية المتدين مقتصرا على إطلاق المواعظ الفضفاضة أو حصرها في قوالب الكوميديا والإرهاب السطحي، بل فرضت المرحلة إنتاج أعمال جادة تعزز الوعي الجمعي، وتكشف الفارق الشاسع بين التدين الوسطي الأخلاقي وبين من يتاجرون بالشعائر لتحقيق مآرب سياسية، مما جعل الدراما والسينما إحدى أهم أدوات القوة الناعمة لحماية كيان الدولة الوطنية.
