نعم إنه القرآن الكريم كتاب اللّٰه إلينا نعم، وإنه أعظم ما خطه قلم وأعظم ما وعاه عقل وأحسه قلب وأعظم ما عمل به إنسان، وتلك عظمة مطلقة لا يدانيها شيء من كلام بشر بلغ من العلم ما بلغ وأجاد ما أجاد لماذا؟ لأنه كلام رب العباد وكلام رب العالمين لا يدانيه قول فى المشرق ولا فى المغرب، ولكن هذه حقيقة بديهية لا تحتاج منا إلى إرهاق الذهن في فهمه، وإنما الإرهاق الحقيقى هو فى تدبر معانيه وألفاظه وأحكامه وغاياته وعلاته.
يقول المولى- عز وجل- "إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا" وفى آية آخرى يقول تعالى "ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر"، ولذلك وجب التعامل مع كتاب اللّٰه العظيم بمنهج علمى يتلاثم مع هذا الشتاب العظيم.
ولعل لله قد أوضح لنا هذا فى محكم آيات انظر إلى قوله تعالى: "يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا".
ولو أمعنا النظر فى هذا النص الكريم لوجدنا عناصر هامة لأداء هذا العمل ومنها:
أولا: الهمة (قم الليل) وهي تستدعى الرغبة والنشاط والحب والشغف وحب العمل فى الليل لله تعبدا.
ثانيا: التوقيت (نصفه أو انقص منه أو زد عليه)، وهنا نجد أن أجمل الأوقات وأعظمها فى قراءة كتاب اللّٰه ليلا حتى يتلمس القارئ معانى الكلمات ويحسها ويتدبرها.
ثالثا: الترتيل وهو التجويد والتحبير خشية الوقوع فى الخطأ أو اللحن فى القراءة، ثم بعد ذلك نأتى لمرحلة الحفظ لكتاب اللّٰه فنجد المولى سبحانه وتعالى جعله بين عباده المسلمين فرض كفاية (يكفى عدد منهم للقيام به) إذ تكفل سبحانه وتعالى بحفظ كتابه بقوله تعالى "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون".
ونأتى فى كتاب اللّٰه بعد القراءة إلى مرحلة التدبر لكلام اللّٰه والتدارس فيه وتحويله إلى سلوك حياتى بين الإنسان وأخيه الإنسان ولعل لنا فى رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وسلم القدوة والمثل العملى، فحين سئلت أم المؤمنين عائشة رضى اللّٰه عنها قالت: كان قرآنا يمشى على الأرض وفى موضع آخر قالت: كان خلقه القرآن
فهل تعلم لماذا؟ لأنه ما من أحد يؤمن بالله وكتابه إلا وقد وجب عليه أن يتدبر ومن ثم يوجب على نفسه غير كاره تطبيق أوامر اللّٰه فى كتابه والبعد عن النواهى.
ولذلك كانت الغاية من إرسال الكتاب كتاب اللّٰه إلينا ورسوله- صلى اللّٰه عليه وسلم- إلى الناس جميعا فهل قرأنا هذه الرسالة حقا، وإذا كنا قد قرأنا فهل وعينا؟ وإن كنا قد وعينا فهل عملنا بها حقا وصدقا؟.