فاز بنوبل عام 1946.. محطات بارزة في حياة الأديب الألماني هيرمان هسه
تحل ذكرى ميلاد الكاتب الألماني هيرمان هسه، أحد أبرز الأدباء الألمان في القرن العشرين، إذ ولد في الثاني من يوليو عام 1877 ببلدة كالف الألمانية، وترك إرثًا أدبيًا وفكريًا جعل اسمه حاضرًا في الأدب العالمي حتى اليوم، واشتهر هسه بكتاباته التي مزجت بين الأدب والفلسفة والتأمل النفسي، كما توّج مسيرته بالحصول على جائزة نوبل في الأدب عام 1946.
البدايات والطفولة
ولد هيرمان كارل هسه لعائلة عُرفت بتوجهاتها البروتستانتية القوية، وكان لذلك أثر واضح في تكوين شخصيته، إذ اتسم منذ سنواته الأولى بالتمرد والميل إلى الاستقلال والخيال، اتجه هسه في بداية حياته إلى كتابة الشعر، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى الرواية، حيث قدم أعمالًا أدبية ذات طابع فلسفي وتأملي، ومن بين هذه الأعمال رواية "دميان" التي اتسمت بطابع فكري وعقائدي متشكك.
العمل وسط الكتب
بدأ هسه العمل في مكتبة، وهناك قضى فترات طويلة في القراءة والاطلاع، حيث درس الكتب اللاهوتية، كما قرأ أعمال عدد من الأدباء الألمان مثل شيلر وليسنج، إضافة إلى اهتمامه بالميثولوجيا الإغريقية، وفي عام 1895 بدأ قراءة مؤلفات الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، الذي كان لأفكاره تأثير كبير على معظم رواياته وأعماله الأدبية لاحقًا، وقبل ذلك عمل هسه في مصنع للساعات بمدينة كالف لمدة تجاوزت عامًا، ثم انتقل في أكتوبر عام 1895 إلى العمل لدى بائع كتب.
البدايات الأدبية
بحلول عام 1898 أصبح لهسه دخل مقبول منحه استقلالًا ماليًا عن والديه، وخلال هذه الفترة تأثر بأعمال الأدباء الرومانسيين الألمان، وفي عام 1896 ظهرت قصيدته "مادونا" بإحدى المجلات، ثم أصدر أول أعماله الشعرية بعنوان "قصائد رومانسية".
وفي العام التالي تلقى رسالة إعجاب من هيلين فويت بعد قراءتها إحدى قصائده، ثم شهدت الفترة اللاحقة نشر مجموعة شعرية أخرى بعنوان "ساعة بعد منتصف الليل"، إلا أنها لم تحقق نجاحًا تجاريًا، وفي عام 1900 تم إعفاؤه من الخدمة العسكرية الإلزامية بسبب اضطرابات عصبية والصداع المستمر الذي كان يعاني منه.
الشهرة والانطلاق
في عام 1902 توفيت والدة هسه بعد صراع طويل مع المرض، ولم يتمكن من حضور جنازتها خوفًا من تأثير ذلك على حالته النفسية، وشكلت رواية "بيتر كامينتسيند" نقطة تحول كبيرة في حياته الأدبية، إذ وافق الناشر صمويل فيشر على نشرها عام 1904، وحققت الرواية نجاحًا واسعًا داخل ألمانيا.
وأشاد بها الطبيب وعالم النفس سيجموند فرويد، واعتبرها من رواياته المفضلة، وهو ما ساهم في ترسيخ مكانة هسه ككاتب قادر على كسب عيشه من الأدب، وفي عام 1906 أصدر روايته الثانية "تحت الدولاب".
الحرب العالمية الأولى
مع اندلاع الحرب العالمية الأولى تطوع هسه للمشاركة في الحرب ضمن الجيش الإمبراطوري، وكانت مهمته تتمثل في رعاية أسرى الحرب، وفي عام 1916 تلقى صدمات متتالية بوفاة والده وإصابة ابنه مارتن بمرض خطير، إضافة إلى معاناة زوجته من اضطرابات نفسية، وهو ما دفعه إلى ترك الخدمة العسكرية واللجوء إلى العلاج النفسي.
وخلال هذه الفترة التقى بكارل يونج، الذي ترك تأثيرًا مهمًا على حياته الفكرية والنفسية، وفي عام 1919 ظهرت روايته الشهيرة "دميان" تحت اسم مستعار هو "إميل زنكلير".
تأثره بالفلسفات الشرقية
أظهر هسه اهتمامًا كبيرًا بالفلسفة الشرقية والثقافة الهندية، وهو ما انعكس بصورة واضحة في روايته "سدهارتا" التي صدرت عام 1922، كما اتجه لاحقًا إلى كتابة أعمال ذات طابع سير ذاتي، من بينها "كورجاست"، و"رحلة نورمبيرج"، و"ذئب البوادي".
موقفه من النازية
تابع هسه صعود النازية بقلق كبير، وسعى إلى الوقوف ضد قمع نظام هتلر للأدب والفن المخالف للفكر النازي، خاصة أن زوجته الأخيرة كانت يهودية، ورغم ذلك تعرض لانتقادات بسبب عدم إدانته الحزب النازي بصورة علنية، وفي أواخر الثلاثينيات تم حظر أعماله داخل ألمانيا، وتوقفت الصحف الألمانية عن نشر مقالاته.
جائزة نوبل
توجت مسيرة هسه الأدبية بحصوله على جائزة نوبل في الأدب عام 1946، وهو التكريم الذي عزز مكانته عالميًا، وبعد الجائزة تلقى أعدادًا كبيرة من الرسائل من قراء ألمان شباب أعادوا اكتشاف أعماله الأدبية.
الرحيل
رحل هيرمان هسه في التاسع من أغسطس عام 1962 عن عمر ناهز 85 عامًا، ودُفن في مونتاجنولا، تاركًا خلفه إرثًا أدبيًا وفلسفيًا ما زال يحظى بالاهتمام حتى اليوم.