رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ليست كل الحروب تُخاض بالسلاح… فبعضها يُخاض على الوعي، والهوية، والذاكرة. وبعض الأوطان لا تُحتل بالجيوش، بل بالأفكار التي تسلبها روحها، وتجعل أبناءها غرباء وهم يسيرون فوق ترابها.

 

عشت تلك الأيام وأنا أشعر بأن مصر، التي طالما احتمينا بها، أصبحت هي من تستغيث بأبنائها.

 

لم أكن أخشى على بيتي، ولا على عملي، ولا حتى على مستقبلي الشخصي… كنت أخشى على وطنٍ علّم الإنسانية معنى الحضارة قبل أن تعرف كثير من الأمم معنى الدولة. كنت أخشى على مصر التي حفرت اسمها على جدران الزمن، فإذا بها تقف أمام محاولة لطمس شخصيتها، واختزال تاريخها العريق في رؤية ضيقة لا تشبهها ولا تُشبه أبناءها.

 

كان اليأس يتسلل إلى القلوب في صمت قاتل.

 

كل صباح كان يحمل سؤالًا جديدًا: إلى أين تمضي مصر؟.

 

وكل مساء كان يترك في الروح خوفًا أكبر من سابقه.

 

لم تكن الأزمة بالنسبة لي أزمة حكومة أو رئيس، بل كانت أزمة وطن شعرت أنه يفقد ملامحه شيئًا فشيئًا. رأيت الانقسام يتمدد بين الناس، ورأيت لغة التخوين تطغى على لغة الحوار، وشعرت أن هوية مصر الجامعة، التي احتضنت الجميع عبر قرون طويلة، أصبحت مهددة بالتآكل.

 

وفي تلك المرحلة، كنت أرى أن حكم جماعة الإخوان المسلمين يدفع البلاد إلى مزيد من الاستقطاب، وأن المشروع الذي تطرحه الجماعة لا يعبّر عن مصر التي أعرفها؛ مصر المنفتحة، المتسامحة، المتنوعة، التي صنعت حضارتها بتراكم آلاف السنين، لا بشعار سياسي أو انتماء تنظيمي. كان ذلك إحساسي، وإحساس كثيرين ممن شاركوني الخوف على الوطن، بينما رأى آخرون المشهد بصورة مختلفة.

 

كم كانت قاسية تلك الليالي…

كنا نبحث عن بصيص أمل فلا نجد سوى غبار القلق.

 

كنا نخشى أن يستيقظ أبناؤنا ذات صباح فلا يجدوا مصر التي عرفناها، ولا الشخصية المصرية التي أحببناها، ولا الدولة التي كانت، رغم كل عثراتها، وطنًا يتسع للجميع.

 

ثم…

جاء الثلاثون من يونيو.

 

لم يكن يومًا عاديًا.

 

كان انفجارًا هائلًا في ضمير شعب رفض أن يسلّم وطنه لليأس.

 

خرج الملايين، وكأن مصر نفسها كانت تمشي على أقدام أبنائها، تسترد حقها في الحياة، وتعلن أن التاريخ لا يُكتب إلا بإرادة الشعوب.

 

وفي تلك اللحظة، ظهر عبد الفتاح السيسي، الذي رآه ملايين المصريين قائدًا استجاب لنداء الجماهير، وتحمل مسؤولية مصيرية في لحظة فارقة. وبالنسبة لي، كان حضوره أشبه بفارسٍ جاء في اللحظة الأخيرة ليمنع سقوط العروس التي اسمها “مصر” في أيدي من كنت أرى أنهم يقدمون الجماعة على الوطن.

 

عاد الوطن…

وعاد معه الأمل.

 

عاد صوت النيل يطمئن أبناءه أن مصر لا تموت، وأن الحضارات التي واجهت الغزاة، وصمدت أمام الأعاصير، لا يمكن أن تنكسر أمام عاصفة عابرة.

 

في الثلاثين من يونيو لم تربح فئة، ولم تخسر أخرى، بقدر ما ربحت مصر فرصة جديدة لتكتب فصلًا آخر من تاريخها الطويل.

 

لقد أثبت هذا الوطن، مرة أخرى، أن قوته ليست في حجارة معابده، ولا في ارتفاع مآذنه، ولا في عظمة آثاره فحسب، بل في شعبه الذي يعرف متى يختلف، ومتى يتحد، ومتى يجعل من حب الوطن كلمة الفصل.

 

سيظل الثلاثون من يونيو، في وجداني، ليس مجرد ذكرى سياسية، بل يومًا استعدت فيه إيماني بأن مصر محفوظة بأبنائها، وأنها مهما تعثرت، فإنها لا تسقط.

كل عام ومصر بخير…

كل عام وهي أكبر من المؤامرات، وأبقى من الجماعات، وأخلد من الأشخاص.

 

كل عام وهي الوطن الذي لا يغيب عن القلب، ولا تنطفئ محبته، ولا ينحني تاريخه إلا لله وحده.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء