في ذكري ميلاده.. وحيد حامد ضمير السينما الذي دفع ثمن المواجهة الصادمة
في ذكرى ميلاد الكاتب الكبير وحيد حامد، لا نتذكر مجرد مؤلف قدّم أعمالًا ناجحة، بل نستعيد مسيرة أحد أبرز كتاب السيناريو في تاريخ السينما والدراما المصرية، إستطاع وحيد حامد أن يحول الشاشة إلى مساحة لطرح القضايا السياسية والاجتماعية، مقدمًا أعمالًا ناقشت هموم المواطن وكشفت أزمات المجتمع، حتى إن كثيرًا من أفكاره بدت وكأنها تستشرف ما سيحدث في المستقبل.
من قرية بسيطة إلى قلب القاهرة
وُلد وحيد حامد في يوليو عام 1944 بإحدى قرى محافظة الشرقية، وحمل معه إلى القاهرة خبرات الريف وبساطته. لم ينجذب إلى أضواء العاصمة بقدر ما انشغل بمراقبة تفاصيل الحياة اليومية للناس، فجلس في مقاهي وسط البلد، واستمع إلى الموظفين والبسطاء وسكان الشوارع، وهو ما منحه قدرة كبيرة على كتابة شخصيات قريبة من الواقع.
ولذلك جاءت حواراته طبيعية وصادقة، تعكس لغة الناس اليومية، بعيدًا عن المبالغة أو التصنع.
شراكة استثنائية مع عادل إمام
شكّل وحيد حامد مع عادل إمام واحدة من أنجح الثنائيات في تاريخ السينما المصرية، إذ لم تقتصر أعمالهما على تحقيق النجاح الجماهيري، بل قدمت رسائل مهمة حول قضايا المجتمع والسياسة.
وكان وحيد حامد يؤكد دائمًا أن اعتراضه لم يكن على الدين، وإنما على استغلاله لتحقيق مصالح سياسية أو شخصية، وهو موقف عرضه لانتقادات وتهديدات خلال مشواره.
أبرز الأزمات في مشوار وحيد حامد.. معارك مع الرقابة والجماعات المتشددة
لم تكن رحلة الكاتب الكبير وحيد حامد سهلة، فقد ارتبط اسمه بالعديد من الأزمات بسبب جرأته في تناول القضايا السياسية والاجتماعية والدينية. وخلال مشواره، دخل في مواجهات مع الرقابة، وتعرض لهجوم من جماعات متشددة، كما واجه انتقادات سياسية، لكنه تمسك بمواقفه واستمر في تقديم أعماله.
"البريء".. معركة مع الرقابة
يعد فيلم البريء من أبرز الأزمات في مسيرة وحيد حامد، بعدما أثار جدلًا واسعًا بسبب تناوله قضية الطاعة العمياء داخل المعتقلات، وعقب الانتهاء من الفيلم، شُكلت لجنة ضمت وزراء الدفاع والداخلية والثقافة لمشاهدته، وانتهى الأمر بحذف النهاية الأصلية، التي ظلت غائبة عن النسخة المعروضة لسنوات طويلة قبل أن تُعرض النسخة الكاملة لاحقًا.
صدام مع التيارات الدينية
واجه وحيد حامد انتقادات حادة من بعض التيارات الدينية بسبب عدد من أعماله التي ناقشت استغلال الدين في السياسة، ففي مسلسل العائلة، الذي تناول قضية الإرهاب والتطرف، تعرض لهجوم واسع، وواجه اتهامات بسبب بعض الأفكار المطروحة في العمل، كما أثار فيلم طيور الظلام جدلًا كبيرًا، ورفعت ضده دعاوى قضائية من بعض المحامين المنتمين إلى تيارات إسلامية، الذين اعتبروا أن الفيلم يسيء إليهم.
جدل واسع بسبب "الجماعة"
أثار مسلسل "الجماعة" حالة كبيرة من الجدل قبل عرضه وأثناء بثه، بسبب تناوله تاريخ جماعة الإخوان المسلمين ومؤسسها، وتعرض وحيد حامد لانتقادات من الجماعة، التي اتهمته بتقديم رؤية غير دقيقة للتاريخ، كما تلقى تهديدات دفعته إلى العيش تحت حراسة أمنية لفترات، لكنه واصل استكمال المشروع.
أزمات مع البرلمان بسبب أفلامه
لم تقتصر أزمات الكاتب الراحل على الرقابة والجماعات الدينية، بل امتدت إلى الساحة السياسية أيضًا، فقد أثار "فيلم النوم في العسل" نقاشًا داخل البرلمان، بعدما اعتبر بعض النواب أن العمل يسيء إلى صورة المجتمع المصري، كما واجه فيلم "سوق المتعة" انتقادات رقابية وأخلاقية بسبب تناوله قضايا اجتماعية وإنسانية برؤية رمزية جريئة.
تهديدات بعد اغتيال فرج فودة
كانت أصعب الفترات في حياة وحيد حامد بعد اغتيال المفكر فرج فودة عام 1992، إذ كان اسمه ضمن الشخصيات التي تلقت تهديدات من جماعات متطرفة، إلى جانب الأديب نجيب محفوظ، ورغم التهديدات، رفض مغادرة مصر أو التراجع عن مواقفه، وظل يؤكد أن الكلمة الحرة هي السلاح الأقوى في مواجهة التطرف، واستمر في الكتابة وتقديم أعماله حتى أصبح واحدًا من أبرز كتاب السيناريو في تاريخ الفن المصري.
أعمال سبقت عصرها
تميّزت كتابات وحيد حامد بقدرتها على قراءة الواقع واستشراف المستقبل، إذ ناقش قضايا أصبحت أكثر وضوحًا بعد سنوات من تقديمها، ففي البريء تناول قضية الطاعة العمياء وانتهاكات حقوق الإنسان، بينما ناقش في النوم في العسل أزمات المجتمع وتراجع الوعي والثقافة. أما مسلسل الجماعة فقدم قراءة لتاريخ الجماعات المنظمة وأفكارها وتأثيرها في الحياة السياسية.
قضايا شغلت اهتمامه
لم يتردد وحيد حامد في الاقتراب من الملفات الشائكة، فناقش في أعماله قضايا الفساد، واستغلال النفوذ، والتمييز الطبقي، وقضايا المرأة، والعلاقة بين المال والسلطة، ومن أبرز أعماله في هذا الاتجاه سوق المتعة واحكي يا شهرزاد، اللذان قدما رؤية جريئة للعديد من القضايا الاجتماعية والإنسانية.
رحل وحيد حامد، لكن أعماله ما زالت حاضرة بقوة، لأنها لم ترتبط بزمن معين، بل تناولت قضايا لا تزال مطروحة حتى اليوم. ولذلك يظل واحدًا من أهم كتاب السيناريو في مصر، وصاحب بصمة خاصة جعلت من السينما وسيلة للتفكير والحوار، وليس مجرد وسيلة للترفيه، لتبقى كتاباته شاهدًا على مرحلة مهمة من تاريخ المجتمع المصري.