في زمن أصبحت فيه الشاشات تُربي أكثر مما تُربي البيوت، لم يعد الخطر يطرق الأبواب، بل دخل إلى غرف أبنائنا عبر هاتف صغير بين أيديهم.
والمؤلم أن بعض الأمهات يظنن أن توفير الطعام والملبس والتعليم هو نهاية المسؤولية، بينما الحقيقة أن التربية أصبحت اليوم أصعب من أي وقت مضى، لأنها تحتاج إلى حضور، ومتابعة، وحوار، ووعي.
أكثر ما يؤلمني أن أرى طفلة لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها، تمتلك أكثر من حساب على مواقع التواصل الاجتماعي؛ حسابًا تعرفه الأسرة، وآخر لا يعرف عنه أحد شيئًا. هناك تبدأ حياة أخرى، بعيدة عن أعين الوالدين، عالم مليء بما لا يناسب عمرها ولا براءتها.
أطفال بأجساد صغيرة، لكنهم يقلدون ما يشاهدونه على الشاشات دون إدراك أو وعي. كلمات جارحة، وإيحاءات لا يفهمون معناها، وتصرفات يظنون أنها دليل على النضج، بينما هي في الحقيقة سرقة مبكرة لطفولتهم.
وتصبح الحيلة جزءًا من يوميات بعض الفتيات؛ يعرفن كيف يخفين الحقيقة عن أسرهن، وكيف يظهرن بصورة داخل المنزل، ويعشن بصورة مختلفة تمامًا خارجه أو عبر الإنترنت. وهنا لا تكون المشكلة في الطفلة وحدها، بل في غياب المتابعة والاحتواء.
ومن أكثر المشاهد التي تدعو للحزن أن تفرح بعض الأمهات بابنة لم تبلغ السادسة عشرة بعد، لأنها تضع مساحيق التجميل بكثرة، أو تركب الأظافر الصناعية، أو تصفف شعرها بطريقة لا تناسب عمرها، أو ترتدي ملابس لا تليق بطفلة ما زالت في بداية الطريق.
وللأسف، قد تخرج بعض الفتيات من المنزل بملابس محتشمة إرضاءً لأسرهن، ثم يقمن بتغييرها في حمامات المراكز التجارية إلى ملابس مختلفة تمامًا. ليست المشكلة في قطعة قماش، بل في الفجوة التي أصبحت بين الأبناء وآبائهم، وفي غياب الحوار الذي يدفع الأبناء إلى إخفاء حياتهم الحقيقية.
ويحزنني أكثر أن أرى زهرة صغيرة تجلس في أحد المقاهي تمسك الشيشة، أو تتحدث بطريقة فجة، أو تقلد سلوكيات لا تناسب سنها، فقط لأنها رأت غيرها يفعل ذلك على مواقع التواصل أو في محيطها.
لا أحد ينكر أن الحياة أصبحت صعبة، وأن كثيرًا من الأمهات يعملن من أجل تحسين مستوى المعيشة، وهذا أمر يستحق كل الاحترام. لكن يبقى الاستثمار الحقيقي ليس فقط في زيادة الدخل، وإنما في بناء الإنسان.
ما قيمة بيت جميل إذا ضاعت فيه التربية؟ وما قيمة المال إذا خسرنا أبناءنا أخلاقيًا ونفسيًا؟
إلى كل أم… عملكِ مهم، وتعبكِ مقدر، لكن ابنتك أمانة بين يديك. لا تتركي الهاتف يربيها، ولا تتركي مواقع التواصل تحدد لها قيمها وأحلامها. اقتربي منها، استمعي إليها، اعرفي صديقاتها، تابعي ما تشاهده، وكوني لها الحضن الذي تلجأ إليه قبل أن تبحث عن الاحتواء في أماكن قد تستغل براءتها.
الرقابة وحدها لا تكفي، والحب وحده لا يكفي، لكن الحب الواعي، والحوار، والمتابعة، والقدوة الحسنة… هي الأساس.
فلنربِّ أبناءنا قبل أن يتولى الآخرون هذه المهمة. ولنحافظ على براءة بناتنا قبل أن يسرقها عالم لا يرحم.
فالأم ليست مجرد من أنجبت… بل هي أول مدرسة، وأول قدوة، وأول خط دفاع عن مستقبل أبنائها