قانون الإجراءات الجنائية في مصر.. رحلة تطور تشريعي امتدت 75 عامًا
الدكتور نبيل حسن:
الرئيس أعاد مشروع القانون لتعزيز حماية الحقوق والحريات
النائب عاطف مغاور عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب:
تشكيل لجنة خاصة برئاسة وكيل المجلس لصياغة المواد بما يتوافق مع الاعتراضات.
قانون الإجراءات الجنائية، يعد القانون الأهم لحماية الحقوق والمدافع الأول عن المظلومين؛ ووجوده صمام أمان يضمن للجميع عدالة ناجزة وإنصافًا دون تمييز. حيث عاد للواجهة مرة أخرى بعد أن قام الرئيس عبد الفتاح السيسي بإعادته إلى البرلمان لتوضيح بعض مواده وإضافة تعديلات للوصول إلى حماية أكثر قوة للمواطنين.
قانون الإجراءات الجنائية يظل معلقًا إلى حين بتّ البرلمان الجديد فيه، وهو يُعدّ أحد الاختبارات والألغام التي تنتظر إما الانفجار بتعطيل مسار التشريع، أو أن تعبر إلى بر الأمان بقانون يحمي وينصف ويعاقب ويسترد الحقوق.
قانون الاجراءات الجنائية ورحلة تعديلاته وصولا الى محطته الأخيره،/ ترصده "إيجيبت" في هذا التحقيق مبرزة أهم التعديلات التي طالب بها الرئيس السيسي، وناقشت الخبراء حول أهمية هذه التعديلات وماذا نحتاج ليخرج القانون سريعًا للنور.
قانون الإجراءات الجنائية يعود تاريخه في مصر إلى أواخر القرن التاسع عشر، حيث صدر أول قانون متخصص بهذا المجال عام 1875 تحت مسمى "قانون تحقيق الجنايات"، في عهد الخديوي إسماعيل. كان هذا النص الأول بمثابة محاولة لتنظيم التحقيقات الجنائية بعيدًا عن الفوضى القضائية السابقة، مستوحى جزئيًا من النماذج الأوروبية مثل القانون الفرنسي،لكنه سرعان ما أصبح غير كافٍ مع تطور المجتمع والجرائم، مما دفع إلى إصدار قانون الإجراءات الجنائية رقم 150 لسنة 1950، في عهد الملك فاروق الأخير، ليصدر هذا القانون في 3 سبتمبر 1950 ، وكان يتكون من 461 مادة تغطي كل مراحل الدعوى الجنائية، من التحقيق إلى التنفيذ ، وكان هذا القانون الجديد بمثابة نقلة نوعية، إذ أدخل مبادئ مثل "البراءة حتى تثبت الإدانة" وتنظيم صلاحيات النيابة العامة، لكنه لم يكن خاليًا من العيوب، خاصة في ظل السياق السياسي المضطرب بعد ثورة يوليو 1952. منذ ذلك الحين، أصبح هذا النص الأساسي الذي بنيت عليه التعديلات اللاحقة، وهو اليوم يُعتبر "الكتاب المقدس" للقضاء الجنائي في مصر.
قانون الإجراءات الجنائية خضع لتعديلات متكررة، بلغ عددها أكثر من 25 تعديلًا رئيسيًا، وفقًا لسجلات الجريدة الرسمية والدراسات القانونية. هذه التعديلات جاءت ردًا على التغييرات الاجتماعية، السياسية، والتكنولوجية، مثل انتشار الجرائم الإلكترونية أو احتياجات مكافحة الإرهاب. وكان من أبرزها عام 1997، جاء التعديل رقم 80 لتعزيز صلاحيات النيابة العامة في التحقيقات الاقتصادية، بهدف مكافحة الفساد المالي وسط تزايد الجرائم الاقتصادية.
وبعد سنوات، في 2003، أدخل التعديل رقم 95 إصلاحات مهمة تركزت على تحسين إجراءات المحاكمة وضمان تعويضات للمتضررين من الحبس الاحتياطي الخاطئ، كرد على انتقادات حقوقية حول انتهاكات محتملة.
552 مادة
وفي 2006، جاء التعديل رقم 142 لتعديل السلطة القضائية وتنظيم إجراءات الاستئناف، لتسريع وتيرة القضايا وتعزيز كفاءة النظام القضائي، أما في 2020، فقد استهدف التعديل رقم 189 مواجهة الجرائم الرقمية، مع إدخال إجراءات إلكترونية لمواكبة العصر الرقمي وانتشار الجرائم السيبرانية، هذه التعديلات، وبالرغم من أهميتها، أثارت جدلاً حول "التشرذم" في النص القانوني، مما دفع نحو مطالبات بإصلاح شامل ، لتأتي المحطة الأخيرة وهي مشروع قانون الإجراءات الجنائية الأخير ، والذي أقره مجلس النواب في 29 أبريل 2025، بعد مناقشات دامت أكثر من 50 شهرًا، كأكبر إصلاح في تاريخ القانون. يعدل هذا المشروع 365 مادة من أصل 461، مع إضافة مواد جديدة تصل إلى 552 مادة إجمالية، بهدف "ثورة تشريعية" في منظومة العدالة. وكانت من أبرز هذه الإضافات: تعزيز حماية حرمة المنازل، بدائل للحبس الاحتياطي مثل الإلكتروني، وتسريع الإجراءات في الجرائم الاقتصاد، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ففي يوم 21 سبتمبر، أصدر السيسي قرارًا بإعادته إلى النواب، مطالباً بمراجعة ثماني مواد فقط (بنسبة 1.4% من الإجمالي)، بناءً على "مناشدات عديدة" من جهات حقوقية واعتبارات الحوكمة. وتركزت الاعتراضات على:
مادة الإصدار (6): وكان الاعتراض لضمان بدء التطبيق مع بداية عام قضائي جديد، لإتاحة الوقت الكافي للمؤسسات القضائية لتأهيل بنيتها وقدراتها.
المادة (48): للمطالبة بضرورة وضع تعريف دقيق وواضح لـ "حالات الخطر" التي تجيز التفتيش، وذلك لضمان حماية حرمة المنازل.
المادة (114) والـحبس الاحتياطي: للمطالبة بـاستحداث بدائل جديدة للحبس الاحتياطي، وتقييد سلطات الحبس وتخفيض مدده، بما يتماشى مع المبادئ الحديثة للعدالة الجنائية.
المادة (411): التي تلزم المحكمة بانتداب محامٍ للمتهم في غيابه عند نظر الاستئناف، حيث طالب الرئيس بـمنح فرصة أخرى للمتهم للحضور في قضايا الاستئناف قبل الفصل فيها.
75 عامًا
ومع هذه الخطوة رحبت أكثر من 20 منظمة حقوقية دولية ومحلية بالقرار، معتبرة إياه "فرصة لتصحيح مسار يقلل من ضمانات المحاكمة العادلة"، خاصة بعد انتقادات لـ"تعديلات أخيرة غير معلنة" قبل الإرسال إلى الرئيس ، ولكن مع هذا فالقانون الجديد يمثل نقلة نوعية في التشريع الجنائي المصري، حيث تم إعادة صياغة مواده بالكامل بدلًا من الاكتفاء بتعديلات جزئية، ليس هذا فحسب بل أنه-يرسخ الضمانات الدستورية لحق الدفاع، ويحقق مقاربة حقوقية تتفق مع المعايير الدولية،
والان يبقي الوضع أن قانون الإجراءات الجنائية المصري في انتظار محطته الأخيره ، الذي ظل قائمًا منذ عام 1950، ولكنه يشهد اليوم ثورة تشريعية حقيقية بعد 75 عامًا من الجمود. والتعديل الأخير، الذي أرجعه الرئيس السيسي للنواب، لا يمثل مجرد مراجعة فنية، بل هو تأكيد على أن العدالة لا تكتمل إلا بالوضوح والدقة. إنها لحظة فارقة في مسيرة مصر نحو دولة القانون والمؤسسات.
حماية الحقوق والحريات
فيقول الدكتور نبيل حسن، أستاذ القانون الجنائي بكلية الشرطة،، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي أعاد مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب لإجراء تعديلات محددة تهدف إلى تعزيز حماية الحقوق والحريات
ويشير إلى أن هذه التعديلات تركز على جوانب أساسية مثل تأجيل تطبيق القانون حتى تجهيز المحاكم إلكترونياً، وتحديد حالات الخطر التي تسمح لمأمور الضبط القضائي بدخول المنازل على سبيل الحصر لتجنب التوسع فيها، وتنسيق بين المواد 105 و64 لضمان عدم منح المندوب صلاحيات تفوق المنتدب، بالإضافة إلى تحديد مدة إيداع المتهمين في جرائم معينة أثناء الاستجواب داخل مراكز الإصلاح أو الاحتجاز.

ويضيف أن التعديلات تشمل أيضاً توسيع بدائل الحبس الاحتياطي في المادة 114، مثل فرض إسوارة إلكترونية أو تقييد الحركة داخل مدينة معينة أو التوقيع اليومي في قسم الشرطة، لتقليل حالات الحبس غير الضرورية، كما طالب الرئيس بمراجعة دورية لقضايا الحبس الاحتياطي كل ثلاثة أشهر من قبل النائب العام لتجنب إطالة المدة دون مبرر، وإتاحة الإعلان التقليدي في حال عطل المنصات الإلكترونية، وندب محامٍ للمحكوم عليه في حال غيابه عن جلسات الاستئناف.
ويكمل أن هذه التعديلات كلها مرتبطة بإعادة صياغة النصوص لضمان الوضوح والحماية لحرمة المساكن والحريات الشخصية، مشيراً إلى أن البرلمان لم يقرها من البداية بسبب الإسراع في الإجراءات، بينما درس الرئيس المشروع لأشهر مع مستشاريه القانونيين، مما سهل اكتشاف النواقص، خاصة فيما يتعلق بتجهيز المحاكم إلكترونياً، حيث يمتلك الرئيس ومستشاروه خبرة واسعة في هذا المجال.
ويؤكد أن القانون في مجمله جيد ويحتاج إلى تعديل سريع للاستفادة من مزاياه، مشدداً على أهمية إجراء حوار مجتمعي واسع قبل إقراره نهائياً، بمشاركة أساتذة القانون الجنائي من الجامعات، والنقابات المهنية مثل نقابة المحامين والصحفيين، لأنه يمثل حقوق الشعب المصري كله، معتبراً أن إعادة المراجعة ستؤدي إلى صياغة قانونية مرضية تضمن التوازن بين العدالة والحريات.
أوضح النائب عاطف مغاوري، عضو لجنة الشؤون الدستورية والتشريعية بمجلس النواب،في تصريح خاص لـ"ايجيبتك" آخر تطورات مشروع قانون الإجراءات الجنائية، الذي أُحيل إلى مؤسسة الرئاسة بتاريخ 26 أغسطس 2025، بعد مناقشته في المجلس خلال أبريل 2015. وأشار مغاوري إلى أن الرئيس عبد الفتاح السيسي استخدم صلاحياته الدستورية وأعاد القانون إلى المجلس قبل انقضاء المدة الدستورية البالغة 30 يومًا، مرفقًا معه مذكرة تضمنت ملاحظات واعتراضات على 8 مواد، منها مادة رقم 6 المتعلقة بالناشر في مواد الإصدار، و7 مواد موضوعية.

وأضاف مغاوري أن المجلس استجاب للاستحقاق الدستوري، حيث عقدت جلسة عامة يوم الأول من أكتوبر 2025، تخللها استدعاء رئيس مجلس الوزراء لإلقاء بيان حول الموضوع. واستمرت الجلسة من الساعة 11 صباحًا حتى منتصف الليل، تضمنت إجراءات شكلية لفض دور الانعقاد السابق وافتتاح الدور التكميلي السادس، مع الإبقاء على تشكيلات اللجان الحالية نظرًا لقصر المدة.
وأوضح أن اللجنة العامة، التي تضم رؤساء اللجان والهيئات البرلمانية و5 من المستقلين إلى جانب رئيس المجلس، ناقشت الاعتراضات الرئاسية بحضور وزير العدل ووزير الشؤون البرلمانية وممثل عن وزارة الداخلية ومستشار رئيس المجلس، المستشار عبد العليم كفافي. وبعد نقاش استمر قرابة 4 ساعات، قررت اللجنة تشكيل لجنة صياغة برئاسة المستشار أحمد سعد، وكيل أول المجلس، لإعادة صياغة المواد محل الاعتراض.
وأكد مغاوري أن تقرير اللجنة العامة، الذي أعدته لجنة الصياغة، عُرض في الجلسة العامة يوم 2 أكتوبر 2025، وأبدى حوالي 16-17 نائبًا موافقتهم على التقرير من حيث المبدأ، مع قبول اعتراضات الرئيس. وأشار إلى تشكيل لجنة خاصة برئاسة المستشار أحمد سعد لصياغة المواد بما يتوافق مع الاعتراضات، مع مشاركة شخصيات مثل وزير العدل وممثلي الهيئات القضائية والتنفيذية بصفة استشارية دون حق التصويت.
وأوضح أن اللجنة الخاصة ستبدأ عملها من السبت المقبل لمناقشة وصياغة المواد، مع النظر في مواد ذات صلة مثل المادتين 64 و105 المتعلقتين بحق النيابة العامة ومأمور الضبط في استجواب المتهم دون حضور محامٍ في حالات الاستعجال. ومن المتوقع أن يعقد المجلس جلسة عامة قبل نهاية الأسبوع القادم لمناقشة التقرير النهائي للجنة الخاصة، والذي سيُعرض للموافقة أو التعديل أو الرفض. وفي حال الموافقة النهائية، سيُعاد القانون إلى رئيس الجمهورية لإصداره.
واختتم مغاوري تصريحه مؤكدًا حرص المجلس على التوافق مع الملاحظات الرئاسية، مع الأخذ في الاعتبار المواد ذات الصلة لضمان تماسك النص القانوني، مشددًا على أهمية هذا القانون في تعزيز العدالة وضمان حقوق المتهمين.