إسرائيل - سوريا
هل سيطرة إسرائيل على جنوب سوريا ورقة ضغط إقليمية ونهب ثروات؟ | محلل سوري يجيب
يُعد جنوب سوريا اليوم ساحة مركزية للصراع الإقليمي، حيث تسعى إسرائيل إلى فرض حضورها ونفوذها في هذه المنطقة الحساسة التي تشكل بوابة استراتيجية بين سوريا ولبنان والأردن وفلسطين المحتلة.
وتدرك تل أبيب أن السيطرة على الجنوب السوري لا ترتبط فقط بالبعد الأمني، وإنما تمثل ورقة ضغط كبرى في المعادلات الإقليمية، خصوصًا مع تعقّد المشهد السوري بعد سنوات من الحرب.
جنوب سوريا.. سعي للهيمنة السيادية أم نهب ثروات
إسرائيل تبرر تدخلها المتكرر في الجنوب بذريعة منع تمدد النفوذ الإيراني وحزب الله قرب حدودها الشمالية، لكنها في الواقع تنظر إلى هذه المنطقة باعتبارها عمقًا استراتيجيًا لا يمكن السماح بخروجه عن دائرة المراقبة والسيطرة.
العمليات العسكرية المتكررة، والغارات الجوية التي تستهدف مواقع عسكرية أو مخازن سلاح، تعكس هاجسًا إسرائيليًا متجذرًا يتمثل في منع أي وجود معادٍ لها على مقربة من الجولان المحتل.
غير أن الأهداف الإسرائيلية لا تتوقف عند البعد الأمني. فجنوب سوريا يُعتقد أنه يحتوي على واحد من أكبر احتياطيات النفط والموارد الطبيعية في البلاد، وهو ما يفتح الباب أمام تفسير اقتصادي لمطامع تل أبيب.

فبينما يُسوّق الخطاب الإسرائيلي الأمر على أنه مواجهة لمخاطر عسكرية وأمنية، فإن الطموح بالسيطرة على الموارد، أو على الأقل ضمان ألا تُستخدم هذه الثروات بما يهدد مصالحها، يظل حاضرًا في خلفية المشهد.
إلى جانب ذلك، ترى إسرائيل أن إحكام قبضتها على الجنوب السوري يمنحها أداة ضغط مزدوجة: الأولى في مواجهة النظام السوري وحلفائه، والثانية في التأثير على موازين القوى في لبنان من خلال محاصرة حزب الله من الخاصرة السورية. وبالتالي فإن الاستراتيجية الإسرائيلية في الجنوب تتجاوز فكرة الدفاع عن الحدود لتتحول إلى مشروع نفوذ طويل الأمد يجمع بين الحسابات الأمنية والسياسية والاقتصادية.
محلل سوري: سقوط الأسد فرصة إسرائيل الكبرى
في حديثه لـ "إيجبتك"، أوضح قصي عبيدو، المحلل السياسي السوري، بأنه منذ البداية وإسرائيل تسعى إلى فرض هيمنتها على الشرق الأوسط، وبالأخص على الدول التي ترى أنها قد تشكل عائقًا أمام مشروعها التوسعي مثل سوريا ومصر.
وتعمل جاهدة على توسيع نفوذها، تارة عبر نشاط أجهزتها الاستخباراتية، وتارة أخرى عبر محاولات التوسع الجغرافي الذي يخدم رؤيتها لإقامة دولتها الممتدة "من النيل إلى الفرات".
وأشار إلى أن تل أبيب وجدت الفرصة سانحة بعد سقوط نظام بشار الأسد، لتتغلغل في الأراضي السورية، وبالأخص في الجنوب، بدءًا من القنيطرة وريف السويداء وصولًا إلى ريف درعا وحتى مدينة درعا نفسها. وهناك، أقامت حواجز عسكرية ومنعت بعض السكان من الوصول إلى أراضيهم إلا في أوقات محددة، ولم تسمح لهم بالذهاب والإياب إلا عبر تصاريح خاصة ولساعات قليلة فقط.
وأضاف عبيدو: "باتت المسألة واضحة، ولم تُخفِ إسرائيل نيتها في فرض سيطرتها الكاملة على الجنوب السوري. فقد بدأت بفرض شرط نزع السلاح الثقيل والخفيف من المنطقة، ثم شرعت في إقامة مواقع عسكرية ومستوطنات مخصصة للجنود، إضافة إلى إنشاء نقطة رادار على قمة جبل الشيخ، وهو الموقع الاستراتيجي الذي لطالما حلمت بالسيطرة عليه".
بشار الأسد
عبيدو: الملف السوري بات أكثر تعقيدًا
وكشف عبيدو، أنه في موازاة ذلك، تستمر إسرائيل بتنفيذ عمليات عسكرية تستهدف مواقع داخل سوريا بذريعة منعها من امتلاك أي قدرات عسكرية متطورة، خصوصًا في مجال الدفاعات الجوية وأنظمة الرادار والاستطلاع. ومن هنا يمكن القول إن الملف السوري بات أكثر تعقيدًا على المستويين السياسي والعسكري.
وأضاف: "وعند النظر إلى الخارطة الجغرافية، يتضح حجم هذا التعقيد بشكل أكبر؛ فجنوب سوريا أصبح تحت النفوذ الإسرائيلي، في حين يخضع الشمال لسيطرة تركيا، أما الشرق فهو بيد قوات سوريا الديمقراطية "قسد". هذه الصورة تؤكد أن تقسيم النفوذ بات واقعًا ملموسًا أمام الجميع".
وأكمل: "من هذا المنطلق، قد يكون الوصول إلى حل عبر المباحثات مع إسرائيل هو السبيل لإعادة سيطرة الدولة السورية على الجنوب، ولكن ضمن شروط واضحة، أهمها ضمان أمن إسرائيل والتأكيد على أن الأراضي السورية لن تُستخدم كمعبر للسلاح أو كنقطة انطلاق لعمليات عسكرية ضدها".
واختتم عبيدو، حديثه، قائلًا: "وبالتالي، تبقى الأنظار متجهة إلى الأشهر المقبلة، مع مطلع العام 2026، لترقب إمكانية التوصل إلى تسوية تُرضي جميع الأطراف وتحقق الأمن والاستقرار. وبرأيي، فإن احتمالية المواجهة المباشرة مع إسرائيل تبقى ضعيفة، إذ أن الفارق في القدرات العسكرية واضح للغاية. فبعد سقوط النظام، استغلت إسرائيل الفرصة ودمرت الترسانة العسكرية السورية بشكل شبه كامل، وباعترافها الصريح وفي وضح النهار".
وعليه، يبدو أن خيار التفاوض السياسي برعاية مبادرات دولية هو المرجح في المرحلة المقبلة، وقد يقود في نهاية المطاف إلى انسحاب إسرائيل من الأراضي السورية شريطة ضمان أمنها، كما ذكرت في بداية الحديث.

