في ذكرى ميلاده.. خيري بشارة مخرج كسر القواعد وصنع سينما تنبض بالحياة
في مثل هذا اليوم، تحتفي السينما المصرية بميلاد أحد أبرز مخرجيها، خيري بشارة، الذي استطاع على مدار أكثر من خمسة عقود أن يرسخ اسمه كواحد من أهم صناع السينما العربية. تميز بشارة برؤية إخراجية مختلفة، جعلت من الشارع المصري بطلًا لأعماله، ومن الإنسان البسيط محورًا رئيسيًا لحكاياته، ليقدم أفلامًا اقتربت من الواقع، لكنها لم تخلُ من الشعرية والخيال.
منذ بداياته، لم يكن خيري بشارة يبحث عن تقديم أفلام تقليدية، بل سعى إلى بناء مشروع سينمائي يعكس تفاصيل المجتمع المصري، ويمنح المساحات المهمشة حضورًا حقيقيًا على الشاشة.
السينما التسجيلية.. نقطة الانطلاق
بعد تخرجه في المعهد العالي للسينما، واصل خيري بشارة دراسته في بولندا، قبل أن يعود إلى مصر وهو يحمل رؤية مختلفة للسينما، تعتمد على الاقتراب من الناس ورصد حياتهم اليومية.
بدأ مشواره من خلال الأفلام التسجيلية، حيث قدم أعمالًا مثل «طبيب في الأرياف» و**«تنوير»**، اللذين كشفا اهتمامه بالقضايا الاجتماعية والإنسانية. وقد شكلت هذه المرحلة حجر الأساس في تجربته، إذ نقل خبرته في توثيق الواقع إلى أفلامه الروائية، لتصبح شخصياته أكثر صدقًا وواقعية.
أحد أبرز رموز الواقعية الجديدة
مع مطلع الثمانينيات، أصبح خيري بشارة أحد أبرز وجوه تيار الواقعية الجديدة، إلى جانب عاطف الطيب، ومحمد خان، وداوود عبد السيد، وهو التيار الذي سعى إلى نقل نبض الشارع المصري إلى شاشة السينما بعيدًا عن الصورة التقليدية.
وخلال تلك الفترة، قدم عددًا من الأعمال المهمة، من بينها "الأقدار الدامية"، و"العوامة رقم 70"، قبل أن يحقق واحدًا من أبرز إنجازاته بفيلم "الطوق والأسورة"، الذي تناول الحياة في صعيد مصر، مسلطًا الضوء على الفقر والخرافة والصراع اليومي من أجل البقاء.
ولم يكن الفقير في أفلامه مجرد شخصية هامشية، بل كان بطلًا يمتلك كرامته وأحلامه، ويقاوم الظروف القاسية بإصرار، وهو ما منح أعماله بعدًا إنسانيًا ظل حاضرًا حتى اليوم.
من الواقعية إلى السينما الشبابية
ورغم نجاحه الكبير في السينما الواقعية، فاجأ خيري بشارة جمهوره في التسعينيات بالانتقال إلى مساحة مختلفة، حيث قدم أعمالًا اتسمت بالطابع الشبابي والموسيقي، دون أن يفقد هويته الفنية.
فقدم فيلم "كابوريا"، الذي يُعد من أبرز المحطات في مسيرة أحمد زكي، كما أخرج "فيلم آيس كريم في جليم"، الذي قدم من خلاله عمرو دياب في تجربة سينمائية تركت أثرًا كبيرًا لدى جيل التسعينيات.
كما قدم أفلامًا مثل "أمريكا شيكا بيكا" و"إشارة مرور"، والتي ناقشت أحلام الشباب، والهجرة، والاغتراب، بأسلوب يجمع بين الكوميديا والدراما، ليؤكد قدرته على التنقل بين الأنماط السينمائية المختلفة.
بصمة تلفزيونية
ولم تقتصر مسيرة خيري بشارة على السينما فقط، بل نجح أيضًا في ترك بصمة مميزة في الدراما التلفزيونية، حيث قدم مجموعة من الأعمال التي لاقت نجاحًا جماهيريًا ونقديًا. ومن أبرزها مسلسلات "ملح الأرض"، و"مسألة مبدأ"، و"ريش نعام"، و"بنت اسمها ذات" المأخوذ عن رواية الأديب صنع الله إبراهيم، والذي حقق صدى واسعًا عند عرضه، إلى جانب "الزوجة الثانية"، والطوفان، والسنونو، وغيرها من الأعمال التي عكست رؤيته الإخراجية الخاصة، وقدرته على تقديم دراما تجمع بين العمق الإنساني والمعالجة البصرية المميزة
تجربة لا تتوقف عند الماضي
لم يكتفِ خيري بشارة بما حققه من نجاحات في السينما، بل واصل حضوره الفني من خلال الدراما التلفزيونية، حيث قدم أعمالًا مميزة، من بينها أهل كايرو والطوفان، كما اتجه إلى الكتابة الأدبية، مؤكدًا أن الإبداع لا يرتبط بوسيط واحد، وحتى اليوم، يحرص بشارة على متابعة التطورات التكنولوجية في صناعة السينما، ودعم المخرجين الشباب، إيمانًا منه بأن الفن يتطور باستمرار، وأن التجديد هو السبيل الوحيد للبقاء.
مسيرة صنعت تاريخًا
في ذكرى ميلاده، لا يُحتفى بخيري بشارة باعتباره مخرجًا قدم مجموعة من الأفلام الناجحة فقط، بل باعتباره صاحب مشروع سينمائي متكامل، استطاع أن يعبر عن الإنسان المصري بكل تناقضاته، وأن يترك بصمة واضحة في تاريخ السينما العربية.
وتبقى أعماله شاهدًا على تجربة فنية مختلفة، جمعت بين الواقعية والخيال، وبين البساطة والعمق، لتؤكد أن السينما قادرة دائمًا على التعبير عن الناس، وحفظ ذاكرتهم، وصناعة الأمل حتى في أصعب الظروف.