رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قائد عسكري إسرائيلي: الاختبار الحقيقي للاتفاق مع لبنان يبدأ ب"اليوم التالي

لبنان وإسرائيل
لبنان وإسرائيل

كشف  إسحاق جيري غيرشون نائب قائد القيادة الشمالية الإسرائيلية  بعد 7 أكتوبر، أنه إذا تدفقت الأموال الإيرانية لإعادة الإعمار والرفاه الاجتماعي بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، بينما اكتفت الدولة ببسط مظهرها الأمني فحسب، فلن يتغير شيء جوهري؛ وسيظل النبع الذي يستمد منه حزب الله كوادره البشرية متدفقًا.

وأكد  غيرشون، أنه يعد الاتفاق المبرم بين إسرائيل ولبنان، بوساطة الولايات المتحدة، خطوة في غاية الأهمية. ليس لأنه يضمن سلامًا أبديًا، ولا لأن المنطقة تخلصت فجأة من صراعات القوى التي تلازمها منذ عقود؛ بل تكمن أهميته في أنه يعكس، لأول مرة، تحولًا عميقًا في الوعي اللبناني—تحولًا ولد من رحم واقع مرير وليس من قناع الأوهام.

وأضاف القائد العسكري الإسرائيلي، أنه دفع لبنان ثمنًا باهظًا ليدرك حقيقة طالما فضل الكثيرون تجاهلها لسنوات: حزب الله لا يحمي لبنان، بل يدمره، إنه ليس جيشًا لبنانيًا، بل جيش إيراني يعمل على الأراضي اللبنانية، يخدم الأجندة الإيرانية، ويضحي بالمصلحة الوطنية اللبنانية على مذبح الاستراتيجية الطهرانية. 

وأوضح، أنه منع هذا التنظيم الحكومات اللبنانية المتعاقبة من بسط سيادتها على كامل أراضيها، وضرب الاقتصاد، وأضعف مؤسسات الدولة، وجر المواطنين مرارًا وتكرارًا إلى حروب عبثية لا تخدم مستقبلهم، وحتى تصريحات الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، التي اعترف فيها ضمنيًا بغياب أي وجه للمقارنة بين قوة الجيش الإسرائيلي وقدرات التنظيم، تعكس عمق هذا التحول، فعندما تقر قيادة الحزب نفسها بفجوات القوة، يصبح من الصعب الاستمرار في تسويق أسطورة "جيش المقاومة" الذي لا يقهر أمام الرأي العام.

إلا أن هذا الاتفاق، برغم إيجابيته، لا يعدو كونه إطارًا نظريًا. والتاريخ يعلمنا أن الشرق الأوسط لا يمنح شهاداته بناءً على جودة الوثائق، بل بناءً على جودة التنفيذ؛ فالإتفاقيات تنجح أو تفشل تبعاً لتطبيقها على أرض الواقع، وليس بناءً على الصياغات المكتوبة في سطورها، وهنا تحديدًا يكمن التحدي الأكبر، ولعلها الثغرة الأخطر في المشهد.

معركة الفوز بقلب "المواطن اللبناني"

وبين أن المعركة الحقيقية القادمة لن تدور فقط حول مستودعات الأسلحة، منصات إطلاق الصواريخ، أو الأنفاق؛ بل ستدور حول قلب المواطن اللبناني.

على مدار سنوات، كان لسكّان جنوب لبنان وجهة واحدة تقريبًا لتلبية كافة احتياجاتهم: حزب الله. لم يكن التنظيم يوزع السلاح فحسب، بل كان يوفر الوقود، خدمات الرفاه، الرعاية الصحية، التعليم، المساعدات الاقتصادية، وفرص العمل. وبهذه الطريقة تحديدًا، بنى الحزب مصدر قوته الحقيقي: الحاضنة الشعبية.

وحذر من دخول الأموال الإيرانية لإعادة الإعمار والدعم الاجتماعي عقب انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، واكتفت الدولة بنشر حواجزها وقواتها الأمنية فقط، فلن يتغير أي شيء جوهري في المعادلة. وسيظل النبع الذي يجند منه حزب الله عناصره متدفقًا بلا انقطاع.

لذا، بالتوازي مع انتشار الجيش، يتعين على الحكومة اللبنانية أن تحضر بكل ثقلها؛ فلا نريد رؤية البدلات العسكرية فحسب، بل نريد رؤية الوزارات الخدمية، لا نكتفي بالحواجز الأمنية، بل يجب توفير الرعاية الصحية، التعليم، فرص العمل، وإعادة الإعمار المجتمعي. 

يجب أن يشعر المواطن بأن الدولة هي وجهته الأولى والملاذ الآمن له، وليس حزب الله. هذا تحدٍ جسيم تأخذه الحكومة اللبنانية على عاتقها بشجاعة كبيرة، وبالمثل، يتوجب على الحكومة اللبنانية تفكيك البنية التحتية المدنية والاقتصادية للتنظيم تدريجيًا: محطات الوقود، شبكات الخدمات، الشركات، مؤسسات الرعاية، وكل تلك الآليات التي حولت حزب الله إلى “دولة داخل الدولة”، إن تفكيك القدرات العسكرية أمر حيوي، لكن تفكيك مصادر القوة المدنية لا يقل عنه أهمية.

تقاطع المصالح: إسرائيل شريك في الحل؟

لإسرائيل مصلحة واضحة ومباشرة في نجاح هذه العملية. لسنوات طويلة، اعتاد الوجدان الإسرائيلي على التفكير في العلاقات مع لبنان عبر منظار "الردع" فحسب، غير أن الواقع الجديد يتيح لنا التفكير أيضًا بلغة المصالح المشتركة، وإسرائيل ليست التهديد الرئيسي لأمن لبنان؛ بل إنها بالنسبة للكثير من اللبنانيين قد تتحول إلى جزء من الحل.

يمكن لإسرائيل أن تقدم المساعدة، بشكل مباشر أو غير مباشر، علنًا عندما يكون ذلك ممكنًا، وبسرية تامة عندما يتطلب الأمر، يمكنها توفير الغاز للمساهمة في استقرار قطاع الطاقة اللبناني المتهالك، ومشاركة المعلومات الاستخباراتية لمساعدة الحكومة اللبنانية على مواجهة محاولات التغلغل الإيراني المتجدد، والعمل ضد التهديدات الإقليمية قبل أن تطأ الأراضي اللبنانية.

سياسة استراتيجية.. لا مبادرة كرم

هذا السلوك ليس من قبيل الكرم أو المبادرات الإنسانية العابرة، بل هو سياسة استراتيجية بحتة. فعندما يتحول لبنان إلى دولة فاعلة وذات سيادة حقيقية، ستستنزف إسرائيل قوات أقل على طول الحدود، وتنخفض مخاطر اندلاع مواجهة أخرى، ويتعزز أمنها القومي.

ختامًا، إن نجاح هذا الاتفاق لا يتوقف على نزع سلاح حزب الله فحسب، بل يكمن في إحلال مصدر السلطة والشرعية في وعي المواطن، فطالما آمن المواطن بأن حزب الله يرعاه أكثر مما تفعل حكومته، سيجد التنظيم دائمًا ثغرة للنهوض وإعادة البناء. أما عندما تكون الدولة اللبنانية هي الموفر الرئيسي للأمن الشخصي، الخدمات، والأمل في المستقبل، فإن قاعدة قوة حزب الله ستتآكل وتتفتت تلقائيًا.

بعد أن فقدت إيران جزءًا كبيرًا من نفوذها في سوريا، نشأت نافذة فرص نادرة لتقليص قبضتها على لبنان أيضًا. إنها معركة طويلة ومعقدة، لكن لأول مرة منذ سنوات، تبرز توجهات ومصالح مشتركة بين إسرائيل، الحكومة اللبنانية، وغالبية الشعب اللبناني: تطلع نحو دولة لبنانية ذات سيادة، فاعلة، وحرة من هيمنة أي جيش أجنبي.

إذا عرفنا كيف نحول هذا الاتفاق من مجرد "وثيقة سياسية" إلى "خطة تنفيذية" مدنية، اقتصادية، وأمنية شاملة، فربما ننظر إلى الوراء مستقبلاً لنرى فيه—ليس مجرد محاولة فاشلة أخرى—بل نقطة تحول تاريخية غيرت وجه الواقع على الحدود الشمالية وفي الشرق الأوسط بأكمله. ما يتبقى لنا الآن ليس مجرد التمني، بل العمل بكل طريقة ممكنة لتمكين الرئيس اللبناني والحكومة اللبنانية من النجاح في هذا التحدي المصيري.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء