في زمن أصبحت فيه المنافسة مع الشاشة أكثر شراسة من أي وقت مضى، يخرج عرض على مسرح السلام ليؤكد أن الرهان لم يعد قائمًا على النجم وحده، بل على التوازن بين العمل الجماعي على خشبة المسرح وجمهور يكتمل حضوره داخل القاعة. عرض استمر منذ موسم عيد الأضحى، ونجح في تحقيق إقبال جماهيري لافت رغم تزامنه مع موسم الامتحانات، ليقدم نموذجًا واضحًا لقدرة مسرح الدولة على استعادة جمهوره؛ قاعة تستوعب ما يقرب من 650 متفرج، وتفاعل حي يعيد تعريف معنى “الفرجة”.
هذا النجاح لا يمكن فصله عن إدارة واعية يقودها الفنان محسن منصور، الذي حافظ على هوية مسرح السلام كمنصة للتجارب الحقيقية، لا مجرد مساحة عرض. هنا، لا يُقدَّم العمل كعرض عابر، بل كتجربة متكاملة تُبنى على فهم دقيق لطبيعة الجمهور، وإدراك لطبيعة العلاقة التبادلية بين الخشبة والصالة.
داخل هذا الإطار، يتشكل العرض كحالة جماعية بامتياز. نص أحمد الملواني ينحاز للإنسان العادي، يلتقط تفاصيله اليومية دون افتعال، بينما تنسج الرؤية الإخراجية هذه التفاصيل في بناء حيّ متماسك. وتأتي استعراضات محمد بيلا لتضيف طاقة بصرية وحركية تعزز الإيقاع دون أن تنفصل عن السياق الدرامي، لتظل جزءًا من النسيج لا عنصرًا منفصلًا عنه.
على مستوى الأداء، يفرض منطق “الفرقة” نفسه بوضوح. أحمد فؤاد المخرج يحضر بخبرة ممتدة وتاريخ من النجاحات، يضيف ثقلًا حقيقيًا لكل مشهد يتواجد فيه، وهو ما ينعكس في رؤيته وتصريحاته حول استمرار قدرة المسرح على إنتاج تأثيره الجماهيري رغم تغير الوسائط الفنية. إلى جانبه، يقدم أحمد السلكاوي، هاجر بديوي، وسمر النجيلي أداءً قائمًا على الانسجام لا الاستعراض؛ شخصيات تتحرك داخل نسيج واحد، لا كجزر منفصلة.
وفي هذا السياق، تأتي تجربة الفنان نور محمود كجزء من هذا التنوع، لا كمحور منفرد. انتقاله بين الدراما والتلفزيون والمسرح يعكس وعيًا بفكرة التعدد الفني، ويظهر حضوره داخل العرض بوصفه عنصرًا من عناصر الحالة، لا مركزًا منفصلًا عنها.
فنيًا، يتحرك العرض في منطقة دقيقة بين الخفة والعمق. روح الفودفيل حاضرة بوضوح في الإيقاع السريع وبناء المواقف، دون أن تنزلق إلى سطحية أو استهلاك مباشر للكوميديا. ومن هذه الزاوية يمكن قراءته ضمن مفهوم “الفودوفيليا” بوصفه توظيفًا واعيًا ومحبة لهذا الشكل المسرحي، لا مجرد استدعاء له كقالب.
هذا التوازن يفتح الباب لقراءة أعمق في ضوء أفكار بيتر بروك، الذي يرى أن المسرح يبدأ حين تتحول الخشبة إلى مساحة مشتركة بين الممثل والمتفرج، حيث لا يكون الجمهور خارج التجربة بل جزءًا من إيقاعها الحي. وهو ما يظهر بوضوح في طبيعة التفاعل داخل القاعة، حيث تتشكل اللحظة المسرحية بوصفها فعلًا جماعيًا.
وعلى مستوى البنية الفكرية، يقترب العرض من روح آرثر ميلر في انحيازه للإنسان العادي بوصفه مادة درامية مركزية، وفي تقديمه لصراعات يومية تتحول تدريجيًا إلى أسئلة أوسع عن المعنى والاختيار والوجود، دون مباشرة أو افتعال.
هذا عرض لا يطلب تصفيقًا منفصلًا، بل يصنع لحظة مشتركة بين الخشبة والجمهور.
في النهاية، لا يقدم العرض إجابات جاهزة، بقدر ما يطرح تجربة مكتملة العناصر، تؤكد أن المسرح لا يُختزل في نجم، ولا يُختزل في جمهور، بل يُبنى على التوازن بين عناصره كافة داخل منظومة واحدة.
وفي لحظة ترتفع فيها تكلفة الترفيه وتتعدد البدائل، يثبت هذا العرض أن امتلاء القاعة ليس حدثًا عابرًا، بل مؤشر على أن التجربة الحية ما زالت قادرة على جذب الجمهور متى وُجد ما يستحق الحضور.
هذا ليس مجرد عرض ناجح، بل دليل حي على أن المسرح، حين يراهن على توازنه الداخلي وعلى جمهوره معًا، لا يخسر.