إذا كانت الدولة تسعى إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة، فمن الطبيعي أن تبدأ بمراجعة الطريقة التي تقيس بها أداء من يصنعون هذه المعرفة. فالجامعة ليست مؤسسة لإنتاج الأوراق العلمية فقط، بل هي مصنع للعقول، ومركز للابتكار، وشريك في التنمية. لذلك لا يقاس نجاحها بعدد الأبحاث المنشورة وحده، وإنما بجودة خريجيها، وتأثير أبحاثها، ومدى إسهامها في حل مشكلات المجتمع وتطوره.
من هنا يبرز تساؤل مهم: هل ما زالت منظومة ترقي أعضاء هيئة التدريس تحقق هذه الرسالة، أم أنها أصبحت تركز على جانب واحد منها؟
لا خلاف على أن البحث العلمي ركيزة أساسية لأي جامعة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول من غاية لإنتاج المعرفة إلى مجرد وسيلة للحصول على الترقية بتستيف أوراقها. فعندما يصبح المطلوب هو استيفاء عدد معين من الأبحاث في ظل رواتب لا تكفي الأعباء المعيشية، يتجه بعض الباحثين إلى موضوعات أسهل وأرخص في التكلفة وأسرع نشرًا، بينما تتراجع المشروعات البحثية الكبرى التي تحتاج وقتًا وجهدًا، لكنها أكثر فائدة للدولة والمجتمع.
وفي المقابل، تراجع الاهتمام بأحد أهم أدوار الأستاذ الجامعي، وهو التدريس. فالطالب يقضي سنوات داخل الجامعة ليتعلم على يد أستاذه، ومع ذلك لا تخضع الكفاءة التدريسية لتقييم حقيقي عند الترقية. فقد نجد أحد أعضاء هيئة التدريس يترك أثرًا علميًا وتربويًا كبيرًا في طلابه ومادته، لكنه يتأخر في الترقية لأنه لم يستوفِ العدد المطلوب من الأبحاث، بينما يحصل آخر على الأستاذية بعد استكمال متطلبات النشر، رغم أن أثره داخل قاعة المحاضرات أقل بكثير وقد يشكو الطلاب من أسلوبه وتصبح المادة مكروهه.
وهذا يتعارض مع فلسفة قانون تنظيم الجامعات رقم ٤٩ لسنة ١٩٧٢، الذي لم يحصر رسالة عضو هيئة التدريس في البحث العلمي فقط، بل جعلها منظومة متكاملة تشمل التدريس، والبحث العلمي، والإشراف على الطلاب، وخدمة الجامعة والمجتمع. وإذا كانت هذه هي واجبات الأستاذ قانونًا، فمن المنطقي أن تعكسها أيضًا معايير التقييم والترقي لا ان تعتمد بشكل كامل على انتاج عدد أبحاث فقط.
كما أدى التركيز على عدد الأبحاث (الكم) إلى تراجع الاهتمام بأثرها (الكيف) . فكثير من الدراسات تنتهي بمجرد انتهاء إجراءات الترقية، ولا تتحول إلى منتج أو تقنية أو سياسة عامة أو حل لمشكلة حقيقية او (محتوى علمي بسبب تحكمات بعض الاقسام العلمية) ويكون مصيرها أرفف المكتبات. لذلك فإن الجامعة تحتاج إلى تقييم جودة البحث وتأثيره، لا الاكتفاء بعدّ المنشورات العلمية.
ورغم أهمية النشر الدولي، فإن السعي إلى تحسين ترتيب الجامعات في بعض التصنيفات العالمية لا ينبغي أن يصبح هدفًا في حد ذاته. فهذه التصنيفات أطلق عليها "تصنيفات خادعة وهمية" تعتمد على مؤشرات متعددة وبها ثغرات عديدة، ولا تعكس وحدها جودة التعليم أو تأثير الجامعة في مجتمعها، بل إن بعض الجامعات العالمية المرموقة انتقدت منهجيات بعض التصنيفات، وانسحب بعضها منها اعتراضًا على اختزال جودة الجامعة في مؤشرات رقمية ومنهم جامعة زيوريخ.
وفي الوقت نفسه، يتحمل عضو هيئة التدريس عبئًا ماليًا كبيرًا لإجراء أبحاثه. فهو يدفع تكلفة التجارب والتحاليل والمصادر والتراجم، ورسوم النشر بالمجلات الجامعية، فضلًا عن رسوم الدورات التدريبية الإلزامية اللازمة للترقية ورسم قياس الاقتباس، وكل ذلك من راتبه الشخصي. وفي ظل رواتب محدودة، يصبح إنتاج بحث علمي متميز تحديًا ماليًا قبل أن يكون تحديًا علميًا. فلا توجد دولة تنافس في البحث العلمي وهي تطلب من الباحث أن يمول أبحاثه من دخله وهي تمنحه راتب لا يكفي متطلبات اسرته.
ومن هنا يصبح من الضروري الفصل بين الراتب والترقية. فالراتب هو المقابل العادل لأداء الواجبات التي حددها القانون، أما الترقية فهي تقدير للتطور العلمي والمهني، ولا ينبغي أن تكون الوسيلة الوحيدة لتحسين دخل عضو هيئة التدريس، ولا توجد جامعة كل من يعمل بها هو درجة أستاذ فقط، وإلا أصبحنا نعاقب من يؤدي رسالته بكفاءة لكنه لم يستوفِ بعد متطلبات الترقية البحثية والتي هي مهمة واحدة ضمن ثلاثه مهام أخرى مطلوبة منه.
كما أن التجارب الدولية تؤكد أن نظامًا واحدًا لا يصلح لجميع أعضاء هيئة التدريس. ففي العديد من الجامعات المرموقة توجد مسارات مهنية مختلفة؛ منها ما يركز على التدريس، ومنها ما يرتبط بالبحث، والابتكار ونقل التكنولوجيا. وقد أشار رئيس جامعة يورك الكندية في برنامج مصر تستطيع منذ بضع سنوات إلى أن جامعته تضم آلافًا من أعضاء هيئة التدريس هناك اساتذة مهمتهم التدريس فقط وآخرون البحث والشراكات مع المجتمع، في تأكيد واضح على أن جودة التعليم لا تقل أهمية عن جودة البحث العلمي.
وفي مصر، توجد أيضًا مراكز وهيئات بحثية تتمثل رسالتها الأساسية في إنتاج البحوث، بينما تقوم الجامعات برسالة أشمل تجمع بين التعليم والبحث وخدمة المجتمع. لذلك فإن إخضاع الجميع لمنظومة ترقية واحدة تعتمد أساسًا على عدد الأبحاث يستحق إعادة النظر، بحيث تتناسب معايير التقييم مع طبيعة الدور الذي يؤديه كل عضو هيئة تدريس.
إن تطوير منظومة الترقيات لا يعني التقليل من قيمة البحث العلمي، بل إعادة التوازن إلى الرسالة الجامعية. فالجامعة تحتاج إلى باحث يبتكر، وأستاذ يجيد التدريس، وخبير يربط الجامعة بالصناعة والمجتمع. ولهذا فإن فتح حوار حول استحداث مسارات جديدة مختلفة للترقي، وتقييم أثر البحث، والاهتمام بالكفاءة التدريسية، وتوفير تمويل حقيقي للبحث العلمي، قد يكون خطوة ضرورية نحو منظومة أكثر عدالة وكفاءة.
فالجامعة لا تُبنى بعدد الأبحاث ولا بعدد الحاصلين على لقب "أستاذ"، وإنما بجودة خريجيها، وبالأثر الحقيقي لأبحاثها، وبقدرتها على خدمة المجتمع. وعندما يصبح معيار التقييم هو جودة التعليم، وأثر البحث، وخدمة المجتمع معًا، سنكون قد اقتربنا من جامعة تنافس عالميًا في رسالتها قبل ترتيبها.