مصر - إسرائيل
سردية الحرب بين مصر وإسرائيل.. روشتة متطرفة لبقاء نتنياهو على عرش تل أبيب
خلال أكثر من 5 عقود منذ توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل (1979)، حافظت العلاقات بين القاهرة وتل أبيب على قاعدة من «السلام البارد» المبني على مصالح أمنية واستخباراتية مشتركة.
ولكن في الفترات الأخيرة لاحظنا تصاعداً في خطاب يمني متطرّف داخل إسرائيل يقوم على تضخيم تهديدٍ مفترض ينبع من شبه جزيرة سيناء أن زيادة قوات مصرية في سيناء تُقدَّم كدليل على «استعدادٍ عدائي».
وادعاءات متكررة عن تهريب أسلحة إلى إسرائيل أو إلى غزة عبر شبكات قبلية وسماسرة في المنطقة، وصياغة سيناريوهات تفيد بأن القاهرة باتت تهدّد بشكلٍ مباشر أمن دولة إسرائيل.
وهذا الخطاب يستثمر الخوف والهلع داخل المجتمع الإسرائيلي لتبرير سياسات قمعية وأمنية داخلية وخارجية، ويُستخدم سياسياً من قبل قوى اليمين لتعزيز موقع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والحفاظ على تحالفاته المتطرّفة داخل الائتلاف الحاكم.

سردية الحرب "بين مصر وإسرائيل"
الآلية – الذي يستخدمها اليمين المتطرف بالداخل الإسرائيلي بسيطة وفعالة وهي تضخيم معلومات استخبارية أو حوادث تهريب مع تعميمها، ووصف القاهرة بأنها «تخرق» معاهدة السلام، ثم ربط هذه الصورة بخطر وجودي داخلي — ما يولّد مناخاً شعبياً يطلب «حماية صارمة» قيادياً يمينيّاً موالٍ للأمن القاسي.
وفي هذا السياق، تصبح دعوات التصعيد بين مصر وإسرائيل أو حتى التهديدات الدبلوماسية أو العسكرية أداة للحفاظ على «عرش» نتنياهو في تل أبيب.
كيف تُبنى السردية اليمينية بالداخل الإسرائيلي
يجري تقديم أي تحرك عسكري مصري في سيناء على أنه دليل على نوايا عدائية ضد إسرائيل، متجاهلين أن أغلب هذه التحركات تأتي في إطار مكافحة الإرهاب أو تأمين الحدود. ويتم تصوير هذه التحركات على أنها تهديد مباشر للاتفاقية التاريخية التي وضعت حداً للحروب بين البلدين.
كما يعمد الإعلام اليميني إلى تسليط الضوء على حوادث تهريب فردية للأسلحة أو المعدات عبر سيناء، ويُقدّمها على أنها عمليات منظمة تستهدف الأمن الإسرائيلي.
وتُستخدم هذه القصص لتغذية خطاب يتحدث عن «ممرات تهريب» تهدد إسرائيل بشكل مستمر، رغم أن الوقائع غالباً لا ترقى إلى حجم التهويل الذي يصدر في تلك التغطيات.
«من يحمي إسرائيل؟» سردية الترويج للحرب
يوظف اليمين هذه السردية الأمنية في الداخل الإسرائيلي عبر خطاب يقوم على سؤال جوهري: «من يحمي إسرائيل؟».
ويقدّم نتنياهو وحكومته المتطرفة أنفسهم كـ«حماة الأمن» القادرين على مواجهة أي تهديد خارجي، ما يحول النقاش الأمني إلى أداة سياسية لترسيخ حكمه، وإضعاف المعارضة، وتبرير سياسات قمعية أو توسعية.
ولا يتوقف الأمر عند التحريض الأمني فقط، بل يتطور إلى خلق أجواء أزمة سياسية متواصلة مع القاهرة، يتم استدعاؤها كلما تراجعت شعبية الحكومة أو تصاعدت الأزمات الداخلية.
وبهذا الشكل، تتحول السردية الأمنية إلى وسيلة لتشتيت الرأي العام، وربط أي تهديد خارجي ببقاء اليمين في الحكم.

نماذج من الخطاب الإعلامي والسياسي
الصحف والمواقع اليمينية المقربة من نتنياهو تناولت بإسهاب موضوع التعزيزات المصرية في سيناء وقدمتها كخرقٍ صريح لمعاهدة السلام. واتهم السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، مصر بارتكاب انتهاكات خطيرة لاتفاقية السلام، بزعم إقامة قواعد عسكرية في سيناء تُستخدم للعمليات القتالية، ونقل الجيش المصري للأسلحة الهجومية.
أما عميحاي شيلو، مراسل موقع "الصوت اليهودي"، فطرح سؤالاً صادماً نصّه: هل نحن على شفا حرب مع مصر، رغم حديث الجميع عن عدم رغبتهما في خوضها؟ لكن المصريين يستعدّون في سيناء، وتتزايد أحاديثهم عنها، بمن فيهم كبار مسؤوليها.
ودعا إيريز فينر، مسؤول فريق التخطيط العملياتي في القيادة الجنوبية للجيش ومساعد رئيس الأركان الأسبق غابي أشكنازي، في مقابلة مع القناة 12، إلى استخدام أدوات الضغط على مصر لتخفيف قواتها المنتشرة في سيناء، وإلا فإن "الشر قد يتطور من الجنوب".
كما زعم مسؤولان إسرائيليان أن المصريين ينشئون بنية تحتية عسكرية يمكن استخدام بعضها لأغراض هجومية، في مناطق يُسمح لهم فيها بحمل أسلحة خفيفة فقط، وبالتالي فما يفعلونه في سيناء خطير للغاية، ونحن قلقون جداً، وفقاً لما نقله أريئيل كهانا محرر الشؤون السياسية بصحيفة "إسرائيل اليوم".
وفي خضم التحريض، نشرت وسائل إعلام إسرائيلية تقارير عن "قطار جوي" من عشرات المُسيّرات التي اجتازت الحدود من مصر إلى النقب في عمليات تهريب أسلحة، عجز الجيش عن منعها، وفق مراسلة "يديعوت أحرونوت" إيلانا كوريل.
إيمانويل فابيان، مراسل "زمان إسرائيل"، أشار إلى أن الحدود مع مصر هادئة منذ سنوات، لكن استخدام المُسيّرات يُغير المعادلة، خاصة مع نقص المعلومات الاستخبارية.
وحذّر المقدم شيمر رافيف، قائد لواء "باران"، من احتمال اشتعال هذه الجبهة، كما حدث في دول محيطة كسوريا.
آساف مشنيوت، كاتب في موقع القناة السابعة، قال إن منذ حرب غزة اشتعلت "الأضواء الحمراء" في تل أبيب بسبب التحركات المصرية، مع تقدير أن أي "سابع من أكتوبر جديد" قد يأتي من الحدود المصرية، لكنه انتقد تجاهل كبار الضباط لهذه الفرضية، مؤكداً أن المؤشرات لا تعني حرباً وشيكة.

المعارضة والتحليلات النقدية
رغم تغلغل هذه السردية في الإعلام اليميني، فإن هناك أصواتاً داخل إسرائيل تحذر من أن الأزمة «مُصطنعة» وتُستخدم لخدمة أهداف سياسية داخلية.
يشير هؤلاء إلى أن التحركات المصرية في سيناء غالباً ما تأتي في إطار حرب القاهرة على الإرهاب أو مكافحة تهريب المخدرات والسلاح، ولا تعكس توجهاً نحو التصعيد مع إسرائيل.
وهذه التحليلات ترى أن تضخيم المخاوف يهدف أساساً إلى إطالة عمر حكومة نتنياهو عبر استدعاء سيناريو «الخطر الخارجي».

