رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ميسي ورونالدو.. عندما سرقت لغة الأرقام متعة كرة القدم

ميسي ورونالدو
ميسي ورونالدو

على مدار أكثر من عشرين عامًا، عاشت كرة القدم حقبة استثنائية لن تتكرر بسهولة، بطلها ليونيل ميسي وكريستيانو رونالدو، ثنائية صنعت أمجادًا فردية وجماعية، وأشعلت نقاشًا لا ينتهي حول سؤال واحد: من الأفضل؟

في بدايتها، بدت المقارنة طبيعية، فالجماهير اعتادت المفاضلة بين كبار اللعبة، والإعلام وجد فيها مادة لا تنضب، لكن مع مرور الوقت، تجاوزت المنافسة حدود كرة القدم، وتحولت إلى صناعة عالمية ضخمة، أصبحت فيها الأرقام والإحصائيات هي البطل الحقيقي، بينما تراجعت متعة اللعبة نفسها إلى الخلف.

لم يعد كثيرون يشاهدون المباريات للاستمتاع بالمراوغات أو التمريرات الحاسمة أو العبقرية الفنية، بل انتظارًا لتحديث جديد في سباق الأرقام. كم هدفًا سجل ميسي؟ وكم أحرز رونالدو؟ من يتصدر سباق الكرات الذهبية؟ ومن حطم رقمًا قياسيًا جديدًا؟

المستطيل الأخضر

بهذه الطريقة، تحولت كرة القدم لدى قطاع كبير من الجماهير إلى جداول إحصائية، وكأن قيمة اللاعب أصبحت تقاس بعدد أهدافه وجوائزه الفردية فقط، لا بما يقدمه داخل المستطيل الأخضر من إبداع وتأثير.

وربما كانت المشكلة الأهم أن المقارنة نفسها لم تكن عادلة منذ البداية، لأن ميسي ورونالدو لم يكونا نسختين متشابهتين، بل مدرستين مختلفتين تمامًا.

ميسي يمثل الفنان الذي يرى ما لا يراه الآخرون، لاعب يصنع الفرص كما يسجلها، ويغير إيقاع المباراة بلمسة أو تمريرة واحدة، أما رونالدو، فهو النموذج المثالي للاعب الذي صنع نفسه بنفسه، وحول موهبته إلى مشروع احترافي متكامل، حافظ به على القمة في أكثر من دوري وعلى مدار سنوات طويلة.

كما أن مسيرة كل منهما جاءت في ظروف مختلفة، فميسي نشأ داخل منظومة واحدة، حتى أصبح رمزًا لها، بينما خاض رونالدو تجارب متعددة، ونجح في إثبات نفسه في إنجلترا وإسبانيا وإيطاليا ثم السعودية، محافظًا على قدرته التنافسية أينما ذهب.

أكثر المنتخبات تتويجًا في التاريخ

ويتكرر الاختلاف أيضًا على مستوى المنتخبات، فميسي لعب بقميص الأرجنتين، أحد أكثر المنتخبات تتويجًا في التاريخ، بينما حمل رونالدو منتخب البرتغال، الذي لم يكن يملك إرثًا كبيرًا في البطولات، قبل أن يقوده لتحقيق أول لقب قاري في تاريخه عام 2016.

ورغم تتويج ميسي بكأس العالم في قطر، واعتبار كثيرين أن الجدل قد حُسم، فإن ذلك لا يلغي اختلاف الظروف بين التجربتين، ولا يجعل المقارنة أكثر عدالة.

وخارج الملعب، اكتشفت وسائل الإعلام والشركات الراعية أن سؤال "من الأفضل؟" أكثر ربحية من أي إجابة. فتحولت المنافسة إلى منتج عالمي، يعتمد على استمرار الجدل أكثر من حسمه، وصارت كل مباراة أو هدف أو جائزة وقودًا لمعركة جديدة على مواقع التواصل الاجتماعي.

إدارة الصورة الشخصية

وفي المقابل، تشكلت صورتان مختلفتان للنجمين، ميسي بدا أكثر هدوءًا، تاركًا قدميه تتحدثان، بينما قدم رونالدو نفسه كنموذج للانضباط البدني والثقة بالنفس وإدارة الصورة الشخصية، حتى أصبحت كل حركة يقوم بها محل نقاش عالمي.

لكن إذا نظرنا إلى تاريخ اللعبة، سنكتشف أن كرة القدم لم تكن يومًا لعبة أرقام فقط.

فمنتخب البرازيل في كأس العالم 1982، رغم خروجه دون لقب، ما زال يُصنف بين أعظم المنتخبات في التاريخ، بفضل الأداء الساحر الذي قدمه زيكو وسقراطيس وفالكاو ورفاقهم، وهو ما يؤكد أن الجمال الكروي قد يعيش في الذاكرة أكثر من الكؤوس نفسها.

وينطبق الأمر أيضًا على دييجو مارادونا، الذي لم يحتج إلى مؤشرات الأداء الحديثة ليصبح أسطورة، كانت لمساته، ومراوغاته، وحتى طريقة إحمائه قبل المباريات، كافية لتؤكد أن كرة القدم فن قبل أن تكون علمًا للأرقام.

عشرات الأرقام القياسية

وفي زمن أصبحت فيه الإحصائيات تتحكم في تقييم اللاعبين، يبدو من السهل نسيان أن لحظة عبقرية واحدة، أو تمريرة غير متوقعة، أو مراوغة خالدة، قد تبقى في الذاكرة أكثر من عشرات الأرقام القياسية.

وربما كانت أكبر خسائر كرة القدم خلال عصر ميسي ورونالدو أننا انشغلنا بإعلان فائز دائم، بينما الحقيقة أن اللعبة ربحت أسطورتين في الوقت نفسه.

لم يكن ميسي بحاجة إلى إسقاط رونالدو ليصبح من عظماء التاريخ، كما لم يكن رونالدو بحاجة إلى محو إنجازات ميسي ليؤكد مكانته، كلاهما سلك طريقًا مختلفًا نحو المجد، وكلاهما ترك إرثًا سيظل حاضرًا لعقود.

في النهاية، ربما لا تكون الإجابة عن سؤال "من الأفضل؟" هي الأهم، بل إدراك أن كرة القدم أكبر من أي مقارنة، وأن متعتها الحقيقية لا تختزل في جدول إحصائي أو عدد من الكؤوس، بل في اللحظات التي تجعل الملايين يقفون من مقاعدهم إعجابًا بما يرونه داخل الملعب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء