رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

كواليس اعتصام وزارة الثقافة.. الشرارة التي سبقت 30 يونيو

اعتصام وزارة الثقافة
اعتصام وزارة الثقافة

من هنا، من أمام مبنى وزارة الثقافة بالزمالك، انطلقت واحدة من أبرز الشرارات التي سبقت أحداث الثلاثين من يونيو، حين تحولت ساحة الوزارة من مقر إداري وثقافي إلى مساحة مفتوحة للاحتجاج والتعبير عن رفض قطاع واسع من المثقفين والفنانين لعدد من القرارات التي أثارت حالة من الغضب داخل الوسط الثقافي. 

ففي ظل حالة من التوتر السياسي التي شهدتها مصر عام 2013، ومع تصاعد الاعتراضات على سياسات جماعة الإخوان المسلمين، التي تصنفها الدولة المصرية جماعة إرهابية، بدأت تتشكل ملامح مشهد جديد حمل الثقافة إلى قلب الأحداث السياسية والمجتمعية.

لم يكن الأمر مجرد اعتراض على تغييرات داخل مؤسسة حكومية، بل تجاوز ذلك ليصبح حالة أوسع ارتبطت بالمخاوف المتعلقة بمستقبل المؤسسات الثقافية وحرية الإبداع، ومع مرور الأيام، تحولت الوزارة إلى نقطة تجمع لرموز الأدب والفن والثقافة والشباب، وامتدت الحركة من داخل جدران المبنى إلى الشارع، لتصبح واحدة من أبرز المحطات التي مهدت للحراك الشعبي الواسع في الثلاثين من يونيو.

القرارات التي فجرت الأزمة

بدأت الأزمة تأخذ منحنى أكثر حدة مع صدور قرارات أثارت موجة واسعة من الاعتراض داخل الوسط الثقافي، وكان قرار إقالة الدكتور أحمد مجاهد من رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب من أبرز هذه القرارات، خاصة في ظل ما ارتبط باسمه من نشاط واسع في مجالات النشر والعمل الثقافي، وما حققه من حضور داخل المشهد الثقافي المصري، وهو ما جعل القرار يثير ردود فعل قوية بين المثقفين والكتاب.

ولم تتوقف حالة الجدل عند هذا الحد، إذ زادت الأزمة اشتعالًا مع قرار إقالة الدكتورة إيناس عبد الدايم من رئاسة دار الأوبرا المصرية، وهو القرار الذي اعتبره كثير من الفنانين والمثقفين نقطة تحول رئيسية في تطورات الأحداث، حيث أدى إلى اتساع دائرة الغضب داخل الوسط الفني والثقافي بصورة أكبر.

وسرعان ما انضم عدد كبير من شباب وفناني دار الأوبرا إلى الاعتصام، وشاركوا في تقديم العروض الفنية والموسيقية اليومية، وهو ما منح الحراك الثقافي قوة إضافية، وأضفى عليه طابعًا مختلفًا جمع بين الاحتجاج والعمل الفني.

شرارة الثورة

مع تصاعد حالة الغضب داخل الأوساط الثقافية، بدأت التحركات الفعلية تأخذ شكلًا أكثر تنظيمًا، وعقدت اجتماعات متواصلة داخل نقابة الصحفيين ودار الأوبرا المصرية وعدد من المراكز الثقافية، ناقش خلالها المثقفون مستقبل المشهد الثقافي، قبل أن يتجه عدد من كبار الأدباء والفنانين إلى مقر وزارة الثقافة معلنين بدء اعتصام مفتوح داخل الوزارة.

وسرعان ما بدأت أعداد كبيرة من المثقفين والشباب والفنانين في التوافد إلى مقر الاعتصام، وتحولت الوزارة تدريجيًا إلى مركز للحراك الثقافي والفكري، حيث أصبحت الاجتماعات تُعقد بصورة يومية، وبدأ المشاركون في تنظيم العمل ووضع آليات لاستمرار الاعتصام وتطوير فعالياته المختلفة.

منذ الأيام الأولى للاعتصام، اتخذ الحراك شكلًا مختلفًا عن الاحتجاجات التقليدية، فلم يقتصر على الشعارات أو البيانات السياسية، بل تحول محيط وزارة الثقافة إلى مساحة مفتوحة للفنون والإبداع.

شهدت الشوارع المحيطة بالمبنى عروضًا موسيقية وغنائية وأمسيات شعرية وفعاليات تشكيلية وعروض مسرح شارع، وشارك عدد كبير من الفنانين والمبدعين في تقديم أعمالهم أمام الجمهور، بينما تحولت الأرصفة إلى مساحات للنقاشات الفكرية والثقافية.

ومن أبرز المشاهد التي ارتبطت بالاعتصام تقديم عرض "باليه زوربا" في الشارع بواسطة فناني دار الأوبرا المصرية، ليصبح واحدًا من المشاهد الأكثر حضورًا في ذاكرة تلك المرحلة، باعتباره نموذجًا لاستخدام الفن كأداة للتعبير والمواجهة.

أبرز الرموز المشاركة في الاعتصام

شهد الاعتصام مشاركة واسعة من رموز الفكر والثقافة والفن في مصر، حيث حضر الشاعر والكاتب الكبير شعبان يوسف، الذي وثق فيما بعد كثيرًا من تفاصيل تلك المرحلة، كما شارك الأديب إبراهيم عبد المجيد، والكاتب والمثقف حلمي النمنم، والفنان حمدي الوزير، والفنان سامح الصريطي، الذين شاركوا في الفعاليات المختلفة المصاحبة للاعتصام.

كما شهدت الأيام المختلفة حضور شخصيات ثقافية وفنية بارزة، من بينها الأديب بهاء طاهر، والكاتب صنع الله إبراهيم، والشاعر سيد حجاب، والناشر محمد هاشم، والمخرج مجدي أحمد علي، والمنتج محمد العدل، والمخرج خالد يوسف، وعدد كبير من الفنانين والشباب العاملين في المؤسسات الثقافية المختلفة.

وقد شكلت هذه الأسماء معًا حالة من التنوع الثقافي والفكري، حيث اجتمع الأدباء والشعراء والمخرجون والممثلون والفنانون في مشهد عكس طبيعة المرحلة وما حملته من حراك واسع.

محاولات فض الاعتصام 

مع اتساع نطاق الاعتصام وتزايد أعداد المشاركين فيه، ظهرت محاولات لإنهاء التحركات أو الضغط على المعتصمين للتراجع عن مطالبهم، وشهد محيط الوزارة بعض حالات التوتر والاحتكاكات خلال فترة الاعتصام.

ورغم ذلك، استمر المشاركون في تنظيم فعالياتهم اليومية، واستمرت حالة التضامن بين الأدباء والفنانين والشباب والمواطنين الذين توافدوا إلى المكان، حيث اختفت الفوارق بين الجميع داخل مساحة جمعت مختلف الفئات.

كما شهد الاعتصام حالة من التفاعل والدعم من سكان منطقة الزمالك، الذين أبدوا تضامنهم مع المشاركين، وهو ما ساهم في استمرار الحراك ومنحه مزيدًا من الزخم.

الذروة.. الطريق إلى 30 يونيو

مع اقتراب موعد الثلاثين من يونيو، اتسعت دائرة التحركات بصورة أكبر، وتحول اعتصام وزارة الثقافة تدريجيًا من احتجاج مرتبط بمؤسسة ثقافية إلى جزء من مشهد شعبي أوسع شهدته مصر خلال تلك الفترة.

وفي يوم 30 يونيو خرجت من أمام وزارة الثقافة مسيرات حاشدة انضمت إلى موجات التحركات الجماهيرية التي شهدتها القاهرة وعدد من المحافظات، لتصبح الوزارة واحدة من أبرز المحطات التي ارتبطت بالحراك الشعبي خلال تلك المرحلة.

وبذلك سجل اعتصام وزارة الثقافة حضوره باعتباره واحدًا من أبرز النماذج التي التقت فيها الثقافة مع العمل العام، وتحولت فيه المساحات الثقافية إلى ساحات للتعبير والمشاركة المجتمعية، ليبقى واحدًا من المشاهد المهمة المرتبطة بالأحداث التي سبقت ثورة 30 يونيو.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء