رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هناك لحظات لا تصنعها السياسة وحدها، ولا الاقتصاد وحده، ولا حتى الإنجازات الكبرى، وإنما تصنعها تلك المشاعر الإنسانية الصافية التي تتسلل إلى القلوب دون استئذان، فتجعل ملايين البشر ينبضون بإحساس واحد، ويهتفون باسم واحد، ويحلمون بالحلم نفسه. هكذا كانت مصر وهي تتابع منتخبها الوطني في رحلته التاريخية نحو التأهل إلى دور الـ32 من كأس العالم لأول مرة في تاريخها.


لم يكن الأمر مجرد فوز في مباراة، ولا مجرد عبور إلى دور جديد، بل كان انتصارا للإرادة، وكسرا لحاجز ظل يطارد الكرة المصرية سنوات طويلة، بعدما اعتاد المنتخب أن يودع البطولة من الدور الأول، دون أن يحقق الفوز الذي ينتظره المصريون. واليوم تغير المشهد، وكتبت الأقدام المصرية صفحة جديدة ستظل محفورة في ذاكرة الرياضة الوطنية.


الأجمل من النتيجة كان المشهد المصري نفسه. مصر كلها كانت على موعد مع الفرحة. من الإسكندرية إلى أسوان، ومن سيناء إلى مطروح، ومن العواصم العربية إلى المدن الأوروبية والأمريكية التي يعيش فيها أبناء الوطن، بدا المصريون وكأنهم أسرة واحدة تجلس في بيت واحد. لم يعد هناك داخل وخارج، بل وطن واحد يحتفل، وقلوب واحدة تخفق مع كل هجمة وكل هدف وكل صافرة نهاية.


الإعلام المصري والعربي وجد نفسه أمام حدث استثنائي، فلم يكن هناك حديث يعلو على حديث المنتخب المصري، وعلى هذا الإنجاز الذي أعاد لكرة القدم المصرية مكانتها، وأعاد للمصريين شعورهم بأن الأحلام الكبيرة يمكن أن تتحقق إذا توافرت الإرادة والعمل والإصرار.


ومن أروع صور هذه الملحمة الوطنية أن المصريين لم يترددوا في التضحية بساعات النوم من أجل منتخبهم. مباريات تقام في الرابعة فجرا أو السادسة صباحا، ومع ذلك امتلأت المقاهي والكافيهات بالجماهير، وازدانت الشوارع بالأعلام، وتحولت ساعات الفجر إلى كرنفال وطني لا يعرف التعب. أما المشهد الذي سيبقى طويلا في الذاكرة، فهو تجمع مئات الآلاف من الأسر المصرية أمام الشاشة العملاقة المجانية في العاصمة الإدارية الجديدة، حيث امتزجت صيحات الفرح بدموع الانتماء، في لوحة تؤكد أن هذا الشعب يعرف كيف يصنع البهجة حين يجد ما يستحقها.


ولم يكن بعيدا عن هذا المشهد الدعم المتواصل الذي توليه القيادة السياسية للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل الدولية، إيمانا بأن الرياضة أصبحت إحدى أهم أدوات القوة الناعمة، ورسالة حضارية تعكس صورة الوطن أمام العالم، وتمنح الشباب الأمل والثقة في قدرتهم على المنافسة وتحقيق الإنجازات.


واليوم، تتجه الأنظار إلى المواجهة المرتقبة أمام أستراليا. مباراة جديدة، وحلم جديد، وثقة أكبر في جيل أثبت أنه قادر على تجاوز المستحيل. ولا أحد يطلب من اللاعبين سوى أن يقدموا الأداء الذي يليق باسم مصر، أما النتيجة فستظل محل تقدير واحترام طالما بقيت الروح المصرية حاضرة في الملعب.


إنها مصر... كما قالت الأغنية الخالدة: "يا مصر... بتعملها إزاي؟". ذلك الوطن الذي يمنح أبناءه أسباب الفرح حتى في أبسط الأشياء، فيلتف المواطن البسيط حول منتخب بلاده، لا ينتظر مكسبا شخصيا، ولا يبحث عن منفعة، وإنما يكتفي بذلك الشعور النبيل بالفخر والانتماء وهو يرى علم مصر يرفرف بين أعلام 48 دولة تتنافس في أكبر بطولة كروية على وجه الأرض. وستبقى أمنية كل المصريين أن تستمر هذه الفرحة، وأن يواصل المنتخب كتابة التاريخ، لأن فرحة الوطن لا تقدر بثمن!

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء